أمّا الّذين تلهيهم عن الجهاد الأهواء والملذّات والشّهوات والأنانيّة وحبّ الذّات ، فلن ينالهم غير الفناء والدّمار عاجلا أو آجلا ، وسيحلّ محلّهم أناس يمتازون بالحيويّة والنّشاط والكفاح الدّؤوب .
وهذا هو الشّيء الّذي يؤكّد عليه رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله ؛ إذ يقول : « فمن ترك الجهاد ألبسه اللّه ذلّا وفقرا في معيشته ، ومحقّا في دينه ، إنّ اللّه أعزّ أمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها » « 1 » .
ويقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في مناسبة أخرى : « أغزوا تورثوا أبناءكم مجدا » « 2 » .
أمّا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فهو يقول في مستهلّ خطبته عن الجهاد : « فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة ، فتحه اللّه لخاصّة أوليائه ، وهو لباس التّقوى ، ودرع اللّه الحصينة ، وجنّته الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّلّ وشمله البلاء ، وديّث بالصّغار والقماء . . . » « 3 » .
ويجب الالتفات إلى أنّ الجهاد لا يقتصر معناه على الحرب أو القتال المسلّح ، بل هو أيضا كلّ سعي حثيث وجهد جهيد يبذل من أجل التّقدّم نحو تحقيق الأهداف المقدّسة الإلهيّة . ومن هذا المنطلق فإنّه بالإضافة إلى الحروب الدّفاعيّة أو الهجوميّة - أحيانا - فإنّ الكفاح العلميّ والمنطقيّ والاقتصاديّ والثّقافيّ والسّياسيّ يعتبر نوعا من الجهاد . ( 3 : 351 )
الوجوه والنّظائر
مقاتل : تفسير « الجهاد » على ثلاثة وجوه :
فوجه منها : الجهاد بالقول ، فذلك قوله :
وَجاهِدْهُمْ بِهِ
يعني القرآن
جِهاداً كَبِيراً
الفرقان : 52 ، وقال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ
التّوبة : 73 ، والتّحريم : 9 ، بالقول ، مثلها في
( لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ )
التّحريم : 1 .
والوجه الثّاني : الجهاد يعني القتال بالسّلاح ، فذلك قوله :
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يعني الّذين يقاتلون في سبيل اللّه
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . .
الّذين يقاتلون في سبيل اللّه
عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
النّساء : 95 .
والوجه الثّالث : الجهاد يعني العمل ، فذلك قوله :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
العنكبوت : 6 ، يعني من يعمل الخير فإنّما يعمل لنفسه ، إيّاه ينفع ذلك ، وقال أيضا :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا
العنكبوت : 69 ، يعني عملوا لنا ، وكقوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
الحجّ : 78 ، يعني اعملوا للّه حقّ عمله . ( 290 )
مثله هارون الأعور ( 319 ) ، ونحوه الحيريّ ( 178 ) ، والدّامغانيّ ( 221 ) .
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة : الجهاد ، أي الأرض الصّلبة والمستوية ، والجمع : جهد ، وأرض جهاد : فضاء وبراز .
هامش
( 1 ) الوسائل - كتاب الجهاد : ج 1 / 2 و 16 .
( 2 ) الوسائل - كتاب الجهاد : ج 1 / 2 و 16 .
( 3 ) نهج البلاغة - الخطبة : 27 .