وسوسته وإغوائه ، وجاهد أعداء الدّين لإحيائه ، وجاهد نفسه الّتي هي أعدى أعدائه ، فإنّما يجاهد لنفسه ، لأنّ ثواب ذلك عائد عليه وواصل إليه دون اللّه تعالى .
( 4 : 274 )
نحوه القرطبيّ ( 13 : 327 ) ، والنّسفيّ ( 3 : 250 ) ، وأبو حيّان ( 7 : 141 ) ، والبروسويّ ( 6 : 448 ) .
الفخر الرّازيّ : وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : الآية السّابقة مع هذه الآية يوجبان إكثار العبد من العمل الصّالح وإتقانه له ؛ وذلك لأنّ من يفعل فعلا لأجل ملك ، ويعلم أنّ الملك يراه ويبصره ، يحسن العمل ويتقنه ، وإذا علم أنّ نفعه له ومقدّر بقدر عمله ، يكثر منه ، فإذا قال اللّه : إنّه سميع عليم ، فالعبد يتقن عمله ويخلصه له ، وإذا قال : بأنّ جهاده لنفسه ، يكثر منه .
المسألة الثّانية : لقائل أن يقول : هذا يدلّ على أنّ الجزاء على العمل ، لأنّ اللّه تعالى لمّا قال :
مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
فهم منه أنّ من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح .
فنقول : هو كذلك ، ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق ، وبيانه هو أنّ اللّه تعالى لمّا بيّن أنّ المكلّف إذا جاهد يثيبه ، فإذا أتى به هو يكون جهادا نافعا له ولا نزاع فيه . وإنّما النّزاع في أنّ اللّه يجب عليه أن يثيب على العمل لولا الوعد ، ولا يجوز أن يحسن إلى أحد إلّا بالعمل ، ولا دلالة للآية عليه .
المسألة الثّالثة : قوله : ( فانّما ) يقتضي الحصر ، فينبغي أن يكون جهاد المرء لنفسه فحسب ، ولا ينتفع به غيره ، وليس كذلك فإنّ من جاهد ينتفع به ومن يريد هو نفعه ، حتّى أنّ الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعان .
فنقول : ذلك نفع له ، فإنّ انتفاع الولد انتفاع للأب ، والحصر هاهنا معناه أنّ جهاده لا يصل إلى اللّه منه نفع ، ويدلّ عليه قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ .
( 25 : 32 )
البيضاويّ :
وَمَنْ جاهَدَ
نفسه بالصّبر على مضض الطّاعة والكفّ عن الشّهوات
فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
لأنّ منفعته لها . ( 2 : 204 )
الشّربينيّ : أي بذل جهده في جهاد حرب أو نفس ، حتّى كأنّه يسابق آخر في الأعمال الصّالحة .
( 3 : 125 )
القاسميّ : أي في الصّبر على البلاء والثّبات على الحقّ مع ضروب الإيذاء
فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
أي لأنّه يمهّد لنفسه ، ما يجني به ثمرة غرسه .
( 13 : 4738 )
الطّباطبائيّ : المجاهدة والجهاد مبالغة من « الجهد » بمعنى بذل الطّاقة ، وفيه تنبيه لهم أنّ مجاهدتهم في اللّه بلزوم الإيمان والصّبر على المكاره دونه ، ليست ممّا يعود نفعه إلى اللّه سبحانه حتّى لا يهمّهم ويلغو بالنّسبة إليهم أنفسهم ، بل إنّما يعود نفعه إليهم أنفسهم ، لغناه تعالى عن العالمين ، فعليهم أن يلزموا الإيمان ويصبروا على المكاره دونه .
فقوله :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
تأكيد لحجّة الآية السّابقة ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ