وقيل : إنّ قريشا كانوا يقولون : إنّ اللّه تعالى قد صاهر الجنّ فحدث بينهما الملائكة ، فيكون على هذا القول المراد به الجنّ المعروف . ( 2 : 342 )
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ هذا القول الّذي ذكره ابن عبّاس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية ؛ وذلك لأنّ بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة ، مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدّمة .
قال ابن عبّاس : والّذي يقوّي هذا الوجه قوله تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
الصّافّات :
158 ، وإنّما وصف بكونه من الجنّ ، لأنّ لفظ الجنّ مشتقّ من الاستتار ، والملائكة والرّوحانيّون لا يرون بالعيون ، فصارت كأنّها مستترة من العيون ، فبهذا التّأويل أطلق لفظ الجنّ عليها .
وأقول : هذا مذهب المجوس ، وإنّما قال ابن عبّاس :
هذا قول الزّنادقة ، لأنّ المجوس يلقّبون بالزّنادقة ، لأنّ الكتاب الّذي زعم زرادشت أنّه نزل عليه من عند اللّه مسمّى ب « الزّند » والمنسوب إليه يسمّى زنديّ . ثمّ عرّب فقيل : « زنديق » ، ثمّ جمع فقيل : زنادقة .
واعلم أنّ المجوس قالوا : كلّ ما في هذا العالم من الخيرات فهو من « يزدان » وجميع ما فيه من الشّرور فهو من « أهرمن » ، وهو المسمّى بإبليس في شرعنا . ثمّ اختلفوا ، فالأكثرون منهم على أنّ « أهرمن » محدث ، ولهم في كيفيّة حدوثه أقوال عجيبة ، والأقلّون منهم قالوا : إنّه قديم أزليّ ، وعلى القولين فقد اتّفقوا على أنّه شريك للّه في تدبير هذا العالم ، فخيرات هذا العالم من اللّه تعالى وشروره من إبليس ، فهذا شرح ما قاله ابن عبّاس رضي اللّه عنهما .
فإنّ قيل : فعلى هذا التّقدير : القوم أثبتوا للّه شريكا واحدا وهو إبليس ، فكيف حكى اللّه عنهم أنّهم أثبتوا للّه شركاء ؟
والجواب : أنّهم يقولون : عسكر اللّه هم الملائكة ، وعسكر إبليس هم الشّياطين ، والملائكة فيهم كثرة عظيمة ، وهم أرواح طاهرة مقدّسة ، وهم يلهمون تلك الأرواح البشريّة بالخيرات والطّاعات . والشّياطين أيضا فيهم كثرة عظيمة ، وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشريّة ، واللّه مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشّياطين ، فلهذا السّبب حكى اللّه تعالى عنهم أنّهم أثبتوا للّه شركاء من الجنّ ، فهذا تفصيل هذا القول . [ إلى أن قال : ]
المسألة الثّانية :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ
معناه :
وجعلوا الجنّ شركاء للّه .
فإن قيل : فما الفائدة في التّقديم ؟
قلنا : قال سيبويه : إنّهم يقدّمون الأهمّ الّذي هم بشأنه أعنى ، فالفائدة في هذا التّقديم استعظام أن يتّخذ للّه شريك ، سواء كان ملكا أو جنّيّا أو إنسيّا أو غير ذلك ، فهذا هو السّبب في تقديم اسم اللّه على الشّركاء . [ ثمّ ذكر القراءات ] ( 13 : 113 )
البيضاويّ : أي الملائكة بأن عبدوهم ، وقالوا :
الملائكة بنات اللّه . وسمّاهم جنّا لاجتنانهم تحقيرا لشأنهم ، أو الشّياطين لأنّهم أطاعوهم كما يطاع اللّه تعالى ، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم ، أو قالوا :
اللّه خالق الخير وكلّ نافع ، والشّيطان خالق الشّرّ وكلّ