أَنْفُسُهُمْ
النّمل : 14 ، وغيرها . وذهب بعض المتكلّمين إلى المنع من جوازه ، وذهبوا إلى أنّ المعرفة تقتضي الإيمان ، والجحد يقتضي الكفر ، ولا سبيل إلى اجتماعهما ، وتأوّلوا ظواهر القرآن ، فقالوا في قوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها
إنّها في أحكام التّوراة الّتي بدّلوها كآية الرّجم وغيرها .
ودفع ما يتصوّر العقل ويعقل من جواز كفر العناد على هذه الطّريقة صعب ، أمّا أنّ كفر العناد من العارف باللّه وبالنّبوّة ، فبعيد ، لأنّه لا داعية إلى كفر العناد إلّا الحسد ، ومن عرف اللّه والنّبوّة وأنّ محمّدا يجيئه ملك من السّماء ، فلا سبيل إلى بقاء الحسد مع ذلك . أمّا أنّه جائز فقد رأى أبو جهل على رأس النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فحلا عظيما من الإبل قد همّ بأبي جهل ، ولكنّه كفر مع ذلك .
والّذي عندي في كفر حييّ بن أخطب ومن جرى مجراه ، أنّهم كانوا يرون صفات النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ويعرفونها أو أكثرها ، ثمّ يرون من آياته زائدا على ما عندهم ، فيتعلّقون في مغالطة أنفسهم بكلّ شبهة بأضعف سبب ، وتتخالج ظنونهم فيقولون مرّة : هو ذلك ، ومرّة : عساه ليسه ، ثمّ ينضاف إلى هذا حسدهم وفقدهم الرّئاسة ، فيتزايد ويتمكّن إعراضهم وكفرهم وهم على هذا ، وإن عرفوا أشياء وعاندوا فيها ، فقد قطعوا في ذلك بأنفسهم عن الوصول إلى غاية المعرفة وبقوا في ظلمة الجهل ، فهم جاهلون بأشياء ، معاندون في أشياء غيرها ، وأنا أستبعد العناد مع المعرفة التّامّة . ( 2 : 286 )
الطّبرسيّ : أي بالقرآن والمعجزات ، يجحدون بغير حجّة سفها وجهلا وعنادا . ودخلت الباء في
بِآياتِ اللَّهِ
والجحد يتعدّى بغير الجارّ والمجرور ، لأنّ معناه هنا التّكذيب ، أي يكذّبون بآيات اللّه .
وقال أبو عليّ : الباء تتعلّق ب ( الظّالمين ) والمعنى ولكنّ الظّالمين بردّ آيات اللّه أو إنكار آيات اللّه يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك ، ومثله قوله سبحانه :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها
الإسراء :
59 ، أي ظلموا بردّها أو الكفر بها . ( 2 : 295 )
ابن شهرآشوب : وهل الجحد بآياته إلّا تكذيب نبيّه ، نفى تكذيبهم بقلوبهم تديّنا واعتقادا وإن كانوا يظهرون بأفواههم التّكذيب ، كما قال :
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
البقرة : 146 .
قال أبو زيد المدنيّ : لقي أبو جهل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فصافحه أبو جهل ، فقيل له في ذلك ، فقال : واللّه أعلم أنّه نبيّ ، ولكن متى كنّا تبعا لبني عبد مناف ، فأنزل اللّه الآية .
وقال الأخنس - وقد سئل عن النّبيّ بالسّرّ - : واللّه إنّ محمّدا لصادق وما كذب قطّ ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللّواء والحجابة والسّقاية والنّدوة والنّبوّة ما ذا يكون لقريش .
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ :
لا يفعلون ذلك بحجّة ، ولا يتمكّنون من إبطال ما جئت به ، يقال : فلان لا يستطيع أن يكذّبني ولا يدفع قولي . ( لا يكذّبونك ) :
لا يلقونك متقوّلا ، كما تقول : قاتلته فما أحييته وحادثته فما أكذبته . قال الكسائيّ : أي لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به ، لأنّه كان عندهم أمينا . قوله :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ
الأنعام : 66 ، ولم يقل : وكذّبك قومك ، المعنى في قوله : ( لا يكذّبونك ) إنّ تكذيبك راجع إليّ وعائد عليّ ، ولست المختصّ به ، لأنّه رسول اللّه ، فمن