2 - قال طنطاوي : « هذا تمثيل لسلطته على من يغويهم برجل مغير صاح على قوم فاستفزّهم من أماكنهم ، وأجلب عليهم بجنده حتّى استأصلهم » . وبناء عليه فالآية تمثيل وتشبيه جمعيّ لطرق إغواء الشّيطان من يغويهم ، فلا تحمل الألفاظ على حقيقتها ، وهو حقّ لا بأس به .
3 - الآية جاءت عقيب قول الشّيطان ، بعد الرّجم والطّرد من قبل اللّه :
أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
الإسراء : 62 ، وبعد قول اللّه له :
اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
الإسراء : 63 ، فالأمر بالاستفزاز والإجلاب عليهم وبالإشراك في الأموال والأولاد ، وبوعدهم غرورا ، كلّها بيان لما يفعل الشّيطان بمن تبعه . والأمر فيها للتّقريع ، دون الإيجاب والتّكليف .
وتوضّحه الآية بعدها :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
الإسراء : 65 ، أي أنّ اللّه كفيل بحفظ عباده من إغواء الشّيطان ، دون من اتّبعه بهواه . قال ابن كثير : « وهذا أمر قدريّ » أي فرضيّ وتقديريّ ، كأنّه أمره اللّه بذلك .
ثانيا : في ( 2 ) بحوث أيضا :
1 - أنّها جاءت عقيب آيتين ، فيهما ذكر الّذين يؤذون اللّه ورسوله والمؤمنين والمؤمنات ، وهم المنافقون الّذين جاء ذكرهم في آيات بعدها ؛ حيث أنذرهم بالأخذ والتّقتيل بكلّ مكان :
أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
الأحزاب : 61 ، فيبدو أنّ للآية علاقة بما كان المنافقون يؤذون به المؤمنات ، وهذا ما قاله الطّبرسيّ من أنّهم كانوا يؤذون الإماء ، لأنّهنّ كنّ مكشوفات الرّؤوس والجباه ، وكانوا قد يعترضون للحرائر ، وادّعوا أنّهم حسبوهنّ إماء ، فأمر اللّه الحرائر بإدناء جلابيبهنّ ، ليعرفن أنّهنّ حرائر ، فلا يؤذين ، حسما لكيد المنافقين .
وقال النّيسابوريّ : « كانت النّساء في أوّل الإسلام على عادتهنّ في الجاهليّة مبتذلات يبرزن في درع وخمار ، من غير فصل بين الحرّة والأمة ، فأمرن بلبس الأردية والملاحف ، وستر الرّأس والوجوه » .
2 - الجلابيب : جمع جلباب ، واتّفقت كلمتهم في أنّه ما يستر المرأة ، واختلفت في وصفه : هل هو مقنعة ، أو خمار أو رداء يستر من فوق إلى أسفل ، أو الثّياب والقميص والخمار وما تستتر به المرأة ، أو الملاءة الّتي تشتمل بها المرأة فوق الدّرع والخمار ، أو هو ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرّداء ، تلويه المرأة على رأسها ، وتبقي منه ما ترسله على صدرها ، أو ثوب أكبر من الخمار ، أو الثّوب الّذي يستر جميع البدن ، أو القميص ، وثوب واسع دون الملحفة ، والملحفة : ما ستر اللّباس والخمار ، وهو كلّ ما غطّى الرّأس ، أو كلّ ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب ، أو هو مردّد بين ما يشمل جميع البدن ، أو الخمار الّذي يغطّي الرّأس والوجه ، أو الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النّساء والعادات .
ونقول : لعلّ الاختلاف في توصيف الجلابيب نشأ من اختلاف العادات ، حسب الأزمنة والأمكنة ، ولكن المدار على ما كان معمولا عند نزول الآية ، ولا عبرة بما شاع منها بعدها في البلاد .