ولا كثيرا .
وأمّا الآية الثّانية ففيها بحوث أيضا :
1 - قرئت ( نجازى ) بالنّون معلوما ، بنصب ( الكفور ) ، وبالياء مجهولا برفع ( الكفور ) . وقال الطّبريّ : « إنّهما قراءتان مشهورتان » لكنّ القراءة الأولى : ( نجازى ) أوفق ب ( جزيناهم ) .
2 - جاء في عقاب قوم سبأ :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
فكلّ من ( جزيناهم ) و ( نجازى ) فيها جاء في العقاب دون الثّواب ، والجزاء في اللّغة وفي القرآن مشترك بين الثّواب والعقاب والنّعمة والنّقمة والخير والشّرّ .
أمّا المجازاة فقد قيل : إنّها خاصّ بالعقاب والنّقمة والشّرّ ، يقال : جازاه على معصيته ، وجزاه على طاعته .
وقيل في وجهه : إنّ المجازاة هي المكافأة وهي خاصّة بأهل الكبائر والكفر .
قال الفخر الرّازيّ : « لعلّ من قال ذلك أخذه من أنّ المجازاة من « المفاعلة » وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين يؤخذ من كلّ واحد جزاء في حقّ الآخر ، وفي النّعمة لا تكون مجازاة ، لأنّ اللّه مبتدئ بالنّعم » .
وقال أبو مسلم : « المجازاة من التّجازي وهو التّقاضي ، أي لا يقتضي ولا يرتجع ما أعطي إلّا الكافر ، وأنّهم لمّا كفروا النّعمة اقتضوا ما أعطوا ، أي ارتجع منهم » وليس قولهما بمقنع شيئا .
وقد حكى الآلوسيّ عن أبي إسحاق : « تقول :
جزيت الرّجل في الخير وجازيته في الشّرّ » ثمّ حكى عن بعض الأجلّة : « ينبغي أنّ أبا إسحاق أراد بذلك إذا أرسلت الفعلين ولم تذكر المفعول الثّاني لهما ، أمّا إذا ذكرته فيستعمل كلّ منهما في الخير والشّرّ » . وأشكل عليه بأنّ ( جزيناهم ) مستعمل في الشّرّ مع عدم ذكر المفعول الثّاني . وكيف كان فإنّه لا يحلّ المشكلة .
وعندنا أنّ المجازاة من « المفاعلة » وهي بين اثنين ، واختصّ المجازاة بالشّرّ ، لأنّ جزاء الشّرّ يكرهه المجاز ولا يقبله ، فكأنّه يعارض المجيز ويقاومه وفيه إشعار بشدّة العذاب .
أمّا الخير فيستقبله ولا يقاومه ، فكأنّه ليس بين اثنين متعارضين أو متعاملين نظير « ضارب زيد عمرا » أي ضرب كلّ منهما الآخر ، بل الجزاء من اللّه على العبد ، وهذا وجه لطيف لم يذكروه ، ولعلّ الفخر الرّازيّ عناه ، فلاحظ نصّه .
وبذلك يرتفع ما قيل : بم خصّ الجزاء بالكفور مع أنّه عامّ للمؤمن والكافر ؟ فإنّ المراد به جزاء الشّرّ الّذي يكرهه المجاز ويقاومه ، وهو خاصّ بالكفور ، سواء أريد به كفر العقيدة أو كفران النّعمة الّذي يساعده السّياق ، كما سبق . لاحظ : « ك ف ر » .
3 - جاءت « المجازاة » في سياق الاستفهام الإنكاريّ أو التّقريريّ تأكيدا وتشديدا عليها ، كأنّها أمر مسلّم لا ينبغي إنكاره ، وفيه إشعار بعدل اللّه تعالى .
4 - كلّ من ( جزيناهم ) و ( نجازى ) جاء في الشّرّ والعقاب ، لكنّهما مختلفان مجرّدا ومزيدا ، وماضيا ومضارعا !
والجواب عن اختلافهما ماضيا ومضارعا : أنّ الأوّل حكاية ما وقع في الماضي ، والثّاني بيان سنّة اللّه اللّائقة