مكارم الشّيرازيّ :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
قانون عامّ في منطق القرآن الكريم ؛ حيث يشمل اللّه سبحانه كما يشمل الخلق وكافّة العباد ، وإنّ المسلمين جميعا يعلمون بعموميّة هذا القانون ، وعليهم مقابلة كلّ خير بزيادة ، كما ذكر الإمام الصّادق عليه السّلام في حديثه أعلاه « 1 » ؛ حيث يفترض أن يكون التّعريض أفضل من العمل المنجّز ( المقدّم ) وليس مساويا له ، وإلّا فإنّ المبتدئ بالإحسان هو صاحب الفضل .
وحول أعمالنا في حضرة الباري عزّ وجلّ ، فإنّ المسألة تأخذ بعدا آخر ؛ حيث أحد الطّرفين هو اللّه سبحانه العظيم الكريم الّذي شملت رحمته وألطافه كلّ عالم الوجود ، وإنّ نعمه وكرمه يليق بذاته ، وليس على مستوى أعمال عباده ، وبناء على هذا فلا عجب أن تقرأ في تاريخ الأمم بصورة متكرّرة أنّ أشخاصا قد شملتهم العناية الإلهيّة الكبيرة ، بالرّغم من إنجازهم لأعمال صغيرة ، وذلك لخلوص نيّاتهم ، ومن ذلك القصّة التّالية :
نقل بعض المفسّرين : أنّ شخصا مسلما شاهد امرأة كافرة ، تنثر الحبّ للطّيور شتاء ، فقال لها : لا يقبل هذا العمل من أمثالك ، فأجابته : إنّي أعمل هذا سواء قبل أم لم يقبل ، ولم يمض وقت طويل حتّى رأى الرّجل هذه المرأة في حرم الكعبة ، فقالت له : يا هذا ، إنّ اللّه تفضّل عليّ بنعمة الإسلام ، ببركة تلك الحبوب القليلة .
( 17 : 394 )
10 -
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ .
الواقعة : 24
الزّجّاج : ( جزاء ) منصوب مفعول له ، المعنى يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم .
ويجوز أن يكون منصوبا على أنّه مصدر ، لأنّ معنى
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
الواقعة : 17 ، يجازون جزاء بأعمالهم . وهذا الوجه عليه أكثر النّحويّين . ( 5 :
111 )
مثله ابن الجوزيّ ( 8 : 138 ) ، ونحوه القيسيّ ( 2 :
352 ) ، وأبو البركات ( 2 : 415 ) ، والعكبريّ ( 2 :
1204 ) ، والسّمين ( 6 : 258 ) ، وأبو السّعود ( 6 : 188 ) ، والآلوسيّ : ( 27 : 139 )
الطّوسيّ : ( جزاء ) أي يفعل ذلك بهم جزاء ومكافأة على ما عملوه في دار الدّنيا ، من الطّاعات واجتناب المعاصي ، ثمّ قال :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً
أي لا يسمع المثابون في الجنّة لغوا ، يعني ما لا فائدة فيه من الكلام ، لأنّ كلّ ما يتكلّمون به فيه فائدة . ( 9 : 494 )
نحوه الزّمخشريّ ( 4 : 54 ) ، والطّبرسيّ ( 5 : 217 ) ، ومغنيّة ( 7 : 219 ) ، والطّباطبائيّ ( 19 : 123 ) .
ابن عطيّة :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي هذه الرّتب والنّعم هي لهم بحسب أعمالهم ، لأنّه روي أنّ المنازل والقسم في الجنّة ، هي مقتسمة على قدر الأعمال ، ونفس دخول الجنّة هو برحمة اللّه وفضله لا بعمل عامل .
فأمّا هذا الفضل الأخير أنّ دخولها ليس بعمل عامل ، ففيه حديث صحيح ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل أحد الجنّة بعمله » قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا ، إلّا أن يتغمّدني اللّه بفضل منه ورحمة » . ( 5 : 243 )
هامش
( 1 ) أنّه قال : « آية في كتاب اللّه مسجّلة . قلت : وما هي ؟ قال :( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ).