المراد : بالحكم والعلم هنا ليس النّبوّة والوحي وما إليهما ، لأنّ موسى يومئذ كان لم يبعث بعد ، وبقي مدّة بعد ذلك حتّى بعث نبيّا .
بل المقصود والمراد من : الحكم والعلم هما المعرفة والنّظرة الثّاقبة ، والقدرة على القضاء الصّحيح وما شابه ذلك ، وقد منح اللّه هذه الأمور لموسى عليه السّلام ، لطهارته وصدقه وأعماله الصّالحة ، كما ذكرنا آنفا .
ويفهم من هذا التّعبير - إجمالا - أنّ موسى لم يتأثّر بلون المحيط الّذي عاشه في قصر فرعون ، وكان يسعى إلى تحقيق العدل والحقّ ، ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وإن لم تكن الجزئيّات الّتي كانت تصدر عن موسى وكيفيّتها واضحة اليوم عندنا . ( 12 : 179 )
وبهذا المعنى جاء قوله تعالى :
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *
الصّافّات : 80 و 131
7 -
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .
القصص : 14
الآلوسيّ : [ في معنى العلم والحكمة قولين :
أحدهما : أنّ المراد بالحكم : النّبوّة وبالعلم : الدّين والشّريعة ، ثانيهما : المراد بالحكم : السّنّة وبالعلم :
التّوراة ، ورجّح الثّاني بأنّه أوفق للنّظم هذا خلاصة كلامه وأضاف : ] وبأنّ قوله تعالى : ( وكذلك ) أي مثل ذلك الّذي فعلناه بموسى وأمّه عليهما السّلام
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
على إحسانهم ، يأبى حمل ما تقدّم على النّبوّة ، لأنّها لا تكون جزاء على العمل . ومن ذهب إلى الأوّل جعل هذا بيانا إجماليّا لا نجاز الوعد ، بجعله من المرسلين بعد ردّه لأمّه ، وما بعد تفصيل له ، والعطف بالواو لا يقتضي التّرتيب ، وكون ما فعل بموسى وأمّه عليهما السّلام جزاء على العمل ، باعتبار التّغليب .
وقد يقال : إنّ أصل النّبوّة وإن لم تكن جزاء على العمل ، إلّا أنّ بعض مراتبها ، وهو ما فيه مزيد قرب من اللّه تعالى ، يكون باعتبار مزيد القرب جزاء عليه .
ويرجع ذلك إلى أنّ مزيد القرب هو الجزاء ، وتفاوت الأنبياء عليهما السّلام في القرب منه تعالى ممّا لا ينبغي أن يشكّ فيه . ورجّح ما تقدّم بكونه أوفق بقوله تعالى :
وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
القصص : 13 . واستلزامه حصول النّبوّة لكلّ محسن ليس بشيء أصلا .
ومن ذهب إلى أنّ هذا الإيتاء كان قبل الهجرة ، قال :
يجوز أن يكون المعنى آتيناه رئاسة بين قومه بني إسرائيل ، بأن جعلناه ممتازا فيما بينهم ، يرجعون إليه في مهامّهم ، ويمتثّلونه إذا أمرهم بشيء أو نهاهم عنه ، وعلما ينتفع به وينفع به غيره ، وذلك إمّا بمحض الإلهام أو بتوفيقه ، لاستنباط دقائق وأسرار ممّا نقل إليه من كلمات آبائه الأنبياء عليهما السّلام من بني إسرائيل ، ولا بدع في أن يكون عليه السّلام عالما بما كان عليه آباؤه الأنبياء منهم ، وبما كانوا يتديّنون به من الشّرائع ، بواسطة الإلهام ، أو بسماع ما يفيده العلم من الأخبار . ( 20 : 52 )
8 -
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .
الصّافّات : 105
الطّوسيّ : معناه إنّا جازينا إبراهيم على فعله بأحسن الجزاء ، ومثل ذلك نجزي كلّ من فعل طاعة ،