أو والده حقّ ؛ وذلك أنّ قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسّيّئات . [ ثمّ نقل الأحاديث وقال : ]
فذلك معنى قوله جلّ ثناؤه :
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً *
يعني أنّها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها ، لأنّ القضاء هنالك من الحسنات والسّيّئات على ما وصفنا . وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسرّه أن يثبت له على ولده أو والده حقّ ، فيأخذه منه ولا يتجافى له عنه ؟
وقد زعم بعض نحويّي البصرة أنّ معنى قوله :
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً : *
لا تجزي منها أن تكون مكانها ، وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده ؛ وذلك أنّه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل :
ما أغنيت عنّي شيئا ، بمعنى ما أغنيت منّي أن تكون مكاني ، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنّه لا يجزي من شيء ، قالوا : لا يجزي هذا من هذا ، ولا يستجيزون أن يقولوا :
لا يجزي هذا من هذا شيئا .
فلو كان تأويل قوله :
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً *
ما قاله من حكينا قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ، *
كما يقال : لا تجزي نفس من نفس ، ولم يقل : لا تجزي نفس عن نفس شيئا .
وفي صحّة التّنزيل بقوله :
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً *
أوضح الدّلالة على صحّة ما قلنا ، وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك . ( 1 : 265 )
القيسيّ : و ( لا تجزى ) وما بعدها من الجمل الّتي في أوّلها « لا » كلّها صفات ل « يوم » ومع كلّ جملة ضمير محذوف يعود على « يوم » ، ولولا ذلك لم تجز الصّفة ، تقديره : لا تجزي نفس فيه ، ولا تقبل منها شفاعة فيه ، ولا يؤخذ منها عدل فيه ، ولا هم ينصرون فيه .
وقيل : التّقدير : لا تجزيه نفس ، تجعل الظّرف مفعولا على السّعة ، ثمّ تحذف الهاء من الصّفة ؛ وحذف الهاء أحسن من حذف « فيه » . ولولا تقدير هذه الضّمائر لأضيفت ( يوما ) إلى ( لا تجزى ) ، كما قال :
يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ
المرسلات : 35 ، و
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ
الانفطار : 19 ، وهو كثير .
فإذا أضفته فلا يكون ما بعده صفة له ، ولا يحتاج إلى تقدير ضمير محذوف ، وقد أجمع القرّاء على تنوينه .
( 1 : 44 )
نحوه ابن الأنباريّ ( 1 : 80 ) ، والعكبريّ ( 1 : 60 ) .
الطّوسيّ : أي لا تقابل مكروهها بشيء يدرأه عنها ، قال اللّه تعالى :
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
النّمل :
90 ، وقال :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
المؤمن : 17 .
والفرق بين المقابلة والمجازاة : أنّ المقابلة قد تكون للمساواة فقط ، كمقابلة الكتاب بالكتاب ؛ والمجازاة :
تكون في الشّرّ بالشّرّ والخير بالخير . ( 1 : 211 )
البغويّ : لا تقضي نفس عن نفس شيئا ، أي حقّا لزمها ، وقيل : لا تغني ، وقيل : لا تكفي شيئا من الشّدائد .
( 1 : 112 )
الزّمخشريّ : لا تقضي عنها شيئا من الحقوق ، ومنه الحديث في جذعة بن نيار : « تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك » . و ( شيئا ) مفعول به ، ويجوز أن يكون في موضع مصدر ، أي قليلا من الجزاء ، كقوله تعالى :