الخبر من اللّه عن نفسه . وذكر عن أبي جعفر القارئ أنّه كان يقرؤه ( ليجزى قوما ) على مذهب ما لم يسمّ فاعله ، وهو على مذهب كلام العرب لحن ، إلّا أن يكون أراد :
ليجزى الجزاء قوما ، بإضمار الجزاء ، وجعله مرفوعا ( ليجزى ) ، فيكون وجها من القراءة ، وإن كان بعيدا .
والصّواب من القول في ذلك عندنا : أنّ قراءته بالياء والنّون على ما ذكرت - من قراءة الأمصار - جائزة بأيّ تينك القراءتين قرأ القارئ . فأمّا قراءته على ما ذكرت عن أبي جعفر ، فغير جائزة عندي لمعنيين :
أحدهما : أنّه خلاف لما عليه الحجّة من القرّاء ، وغير جائز عندي خلاف ما جاءت به مستفيضا فيهم .
والثّاني بعدها من الصّحّة في العربيّة ، إلّا على استكراه الكلام على غير المعروف من وجهه . ( 25 : 144 )
نحوه أبو زرعة ( 660 ) ، والبغويّ ( 4 : 185 ) ، وابن عطيّة ( 5 : 83 ) ، والعكبريّ ( 2 : 1151 ) ، والقرطبيّ ( 16 : 162 ) ، والشّربينيّ ( 3 : 596 ) ، وأبو السّعود ( 6 :
59 ) ، والمشهديّ ( 9 : 423 ) ، وشبّر ( 5 : 453 ) .
الطّوسيّ : يحتمل معنيين :
أحدهما : قل لهم يغفروا لهم ، فإنّ اللّه يجازيهم يعني الكفّار ، فإنّهم إليه يرجعون .
الثّاني : أن يكون المعنى ليجزيهم اللّه يعني المؤمنين ، ويعظم أجرهم على احتمالهم وصبرهم ولن يفوتوه يعني الكافرين بل إليه مرجعهم . ( 9 : 253 )
نحوه الطّبرسيّ ( 5 : 75 ) ، والفخر الرّازيّ ( 27 :
263 ) ، والخازن ( 6 : 127 ) ، وابن كثير ( 6 : 266 ) .
الواحديّ : أي ليجزي اللّه الكفّار بما عملوا من السّيّئات ، كأنّه قال : لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن .
( 4 : 96 )
الزّمخشريّ : ( ليجزى ) تعليل للأمر بالمغفرة ، أي إنّما أمروا بأن يغفروا لما أراده اللّه من توفّيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة . ( 3 : 511 )
أبو البركات : [ نحو الطّبريّ إلّا أنّه قال : ]
ومن قرأ ( ليجزى ) نصب ( قوما ) على تقدير :
ليجزى الجزاء قوما . وهذا لا يستقيم على مذهب البصريّين ، لأنّ المصدر لا يجوز إقامته مقام الفاعل مع مفعول صحيح ، وأجازه الأخفش والكوفيّين . ( 2 : 365 )
نحوه النّسفيّ ( 4 : 135 ) ، وأبو حيّان ( 8 : 45 ) .
البروسويّ : [ نحو الزّمخشريّ ثمّ قال : ]
فإن قلت : مطلق الجزاء لا يصلح تعليلا للأمر بالمغفرة ، لتحقّقه على تقديري : المغفرة ، وعدمها ؟
قلت : لعلّ المعنى قل للمؤمنين يتجاوزوا عن إساءة المشركين والمنافقين ، ولا يباشروا بأنفسهم لمجازاتهم ، ليجزيهم اللّه يوم القيامة جزاء كاملا يكافئ سيّئاتهم ، ويدلّ على هذا المعنى الآية الآتية [ الجاثية : 15 ] وأيضا أنّ الكسب في أكثر ما ورد في القرآن كسب الكفّار ، ويجوز أن يكون المعنى ليجزيهم اللّه وقت الجزاء كيوم بدر ونحوه .
وفي الآية إشارة إلى أنّ المؤمن إذا غفر لأهل الجرائم وإن لم يكونوا أهل المغفرة لإصرارهم على الكفر والأذى ، يصير متخلّقا بأخلاق الحقّ ، ثمّ اللّه تعالى يجزي كلّ قوم جزاء عملهم من الخير والشّرّ ، إمّا في الدّنيا والآخرة ، أو في الآخرة . ( 8 : 442 )
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 491
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٤٩١