الآلوسيّ : [ نقل كلام الزمخشريّ وقال : ]
وبيانه فيما نحن فيه ، أنّ قوله تعالى :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
يدلّ بمنطوقه على ما قرّر على اختصاصهم بالجزاء التّكريميّ ، وبمفهومه على أنّهم أهل الولاية والزّلفى ، وقوله سبحانه :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
لتعليل الاختصاص ، يدلّ بمنطوقه على أنّ عدم المحبّة يقتضي حرمانهم ، وبمفهومه على أنّ الجزاء لأضدادهم موفّر ، فهو جلّ وعلا محبّ للمؤمنين .
وذكر العلّامة الطّيّبيّ : الظّاهر أنّ
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
الرّوم : 43 ، الآية بتمامها كالمورد للسّؤال والخطاب ، لكلّ أحد من المكلّفين ، و
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
الرّوم : 44 . الآية وارد على الاستئناف منطو على الجواب ، فكأنّه لمّا قيل : أقيموا على الدّين القيّم قبل مجيء يوم يتفرّقون فيه ، فقيل : ما للمقيمين على الدّين وما على المنحرفين عنه ، وكيف يتفرّقون ؟ فأجيب :
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
الآية . وأمّا قوله :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
الآية ، فينبغي أن يكون تعليلا للكلّ ، ليفصل ما يترتّب على ما لهم وعليهم . لكن يتعلّق ب ( يمهدون ) وحده ، لشدّة العناية بشأن الإيمان والعمل الصّالح ، وعدم الإعباء بعمل الكافر ، ولذلك وضع موضعه
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
انتهى ، فلا تغفل .
( 21 : 50 )
الطّباطبائيّ : اللّام للغاية ، ولا ينافي عدّ ما يؤتيهم جزاء - وفيه معنى المقابلة - عدّه من فضله ، وفيه معنى عدم الاستحقاق ؛ وذلك لأنّهم بأعيانهم وما يصدر عنهم من أعمالهم ملك طلق للّه سبحانه ، فلا يملكون لأنفسهم شيئا حتّى يستحقّوا به أجرا ، وأين العبوديّة من الملك والاستحقاق ، فما يؤتونه من الجزاء فضل من غير استحقاق .
لكنّه سبحانه بفضله ورحمته اعتبر لهم ملكا لأعمالهم في عين أنّه يملكهم ويملك أعمالهم ، فجعل لهم بذلك حقّا يستحقّونه ، وجعل ما ينالونه من الجنّة والزّلفى أجرا مقابلا لأعمالهم ، وهذا الحقّ المجعول أيضا فضل آخر منه سبحانه .
ومنشأ ذلك حبّه تعالى لهم ، لأنّهم لمّا أحبّوا ربّهم أقاموا وجوههم الدّين القيّم ، واتّبعوا الرّسول فيما دعا إليه فأحبّهم اللّه ، كما قال :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
آل عمران : 31 .
ولذا كانت الآية تعدّ ما يؤتيهم اللّه من الثّواب جزاء ، وفيه معنى المقابلة والمبادلة ، وتعدّ ذلك من فضله ، نظرا إلى أنّ نفس هذه المقابلة والمبادلة فضل منه سبحانه ، ومنشأه حبّه تعالى لهم ، كما يومئ إليه تذييل الآية ، بقوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
ومن هنا يظهر أنّ قوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
يفيد التّعليل بالنّسبة إلى جانبي النّفي والإثبات جميعا ، أي إنّه تعالى يخصّ المؤمنين العاملين للصّالحات بهذا الفضل ، ويحرم الكافرين منه ، لأنّه يحبّ هؤلاء ولا يحبّ هؤلاء . ( 16 : 198 )
عبد الكريم الخطيب : التّعليل هنا ، هو لقوله :
وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
الرّوم : 44 ، أي إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات ، قد توسّلوا بهذه الوسيلة إلى مرضاة اللّه ، ليجزيهم الجزاء الحسن ، من فضله وإحسانه .