وهل يجازى إلّا الكفور ؟
قيل : إنّ المجازاة في هذا الموضع : المكافأة ، واللّه وعد أهل الإيمان به للتّفضّل عليهم ، وأن يجعل لهم بالواحدة من أعمالهم الصّالحة عشر أمثالها ، إلى ما لا نهاية له من التّضعيف ، ووعد المسئ من عباده أن يجعل بالواحدة من سيّئاته مثلها مكافأة له على جرمه .
والمكافأة لأهل الكبائر والكفر ، والجزاء لأهل الإيمان مع التّفضّل ، فلذلك قال في هذا الموضع : وهل يجازى إلّا الكفور ؟ كأنّه قال : لا يجازى : لا يكافأ على عمله إلّا الكفور ، إذا كانت المكافأة مثل المكافأ عليه ، واللّه لا يغفر له من ذنوبه شيئا ، ولا يمحّص شيء منها في الدّنيا . وأمّا المؤمن فإنّه يتفضّل عليه ، على ما وصفت .
( 22 : 82 )
الزّجّاج : ( ذلك ) في موضع نصب ، المعنى جزيناهم ذلك بكفرهم .
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ،
وتقرأ ( وهل يجازى ) ويجوز ( وهل يجازى الّا الكفور ) وهذا ممّا يسأل عنه ، يقال : اللّه يجازي الكفور وغير الكفور .
والمعنى في هذه الآية أنّ المؤمن تكفّر عنه السّيّئات ، والكافر يحبط عمله فيجازى بكلّ سوء يعمله ، قال اللّه :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
محمّد : 1 ، وقال :
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
محمّد :
28 ، فأعلم أنّه يحبط عمل الكافر ، وأعلمنا أنّ الحسنات يذهبن السّيّئات ، وأنّ المؤمن تكفّر عنه سيّئاته حسناته ( 4 : 249 ) أبو مسلم الأصفهانيّ : إنّ المجازاة من التّجازي وهو التّقاضي ، أي لا يقتضي ولا يرتجع ما أعطى إلّا الكافر ، وإنّهم لمّا كفروا النّعمة اقتضوا ما أعطوا ، أي ارتجع منهم . ( الطّبرسيّ 4 : 386 )
النّحّاس : [ ذكر حديث النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن عائشة « من حوسب عذّب . . . ثمّ قال : » ]
المعنى أنّ المؤمن يكفّر عنه سيّئاته ، والكافر يحبط عمله ويجازى ، كما قال جلّ وعزّ :
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
محمّد : 1 . ( 5 : 410 )
الطّوسيّ :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
في نعم اللّه ،
وَهَلْ نُجازِي
بهذا الجزاء
إِلَّا الْكَفُورَ
من كفر نعم اللّه .
فمن قرأ بالنّون ، فلقوله : ( جزيناهم ) ، ولا يمكن الاستدلال بذلك على أنّ مرتكب الكبيرة كافر من حيث هو معذّب ، لأنّ اللّه تعالى بيّن أنّه لا يجازي بهذا النّوع من العذاب الّذي هو الاستئصال ، إلّا من هو كافر ، وإن جاز أن يعذّب الفاسق بغير ذلك من العذاب . [ ثمّ ذكر قول الفرّاء وأضاف : ]
وقال غيره : لا فرق بينهما . ( 8 : 388 )
الزّمخشريّ : [ ذكر القراءات وقال : ]
والمعنى أنّ مثل هذا الجزاء ، لا يستحقّه إلّا الكافر ، وهو العقاب العاجل .
وقيل : المؤمن تكفّر سيّئاته بحسناته ، والكافر يحبط عمله ، فيجازى بجميع ما عمله من السّوء .
ووجه آخر ، وهو أنّ الجزاء عامّ لكلّ مكافأة ، يستعمل تارة في معنى المعاقبة وأخرى في معنى الإثابة ،