وكان ابن عمر يقول : إنّما يصطاد بالكلاب .
وقال هو وأبو جعفر : ما صيد بغيرها من باز وصقر ونحوهما ، فلا يحلّ إلّا أن تدرك ذكاته فتذكّيه . وجوّز قوم البزاة ، فجوّزوا صيدها لحديث عديّ بن حاتم وغلّب الجمهور ظاهر ( وما علّمتم ) وقالوا : معنى ( مكلّبين ) مؤدّبين ومضرّين ومعوّدين ، وعمّموا ( الجوارح ) في كواسر البهائم والطّير ممّا يقبل التّعليم .
وأقصى غاية التّعليم أن يشلى فيستشلي ، ويدعى فيجيب ، ويزجر بعد الظّفر فينزجر ، ويمتنع من أن يأكل من الصّيد . وفائدة هذه الحال وإن كانت مؤكّدة لقوله :
( علّمتم ) فكان يستغنى عنها أن يكون المعلّم مؤتمرا بالتّعليم حاذقا فيه موصوفا به .
واشتقّت هذه الحال من الكلب وإن كانت جاءت غاية في الجوارح على سبيل التّغليب ، لأنّ التّأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّت من لفظه ، لكثرة ذلك في جنسه .
قال أبو سليمان الدّمشقيّ : « وإنّما قيل ( مكلّبين ) لأنّ الغالب من صيدهم أن يكون بالكلاب » . واشتقّت من الكلب ، وهي الضّراوة ، يقال : هو كلب بكذا ، إذا كان ضاريا به .
قال الزّمخشريّ : « أو لأنّ السّبع يسمّى كلبا » ، ومنه قوله عليه السّلام : « اللّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد » . ولا يصحّ هذا الاشتقاق ، لأنّ كون الأسد كلبا هو وصف فيه ، والتّكليب من صفة المعلّم ، « الجوارح » هي سباع بنفسها لا بجعل المعلّم .
وظاهر قوله : ( وما علّمتم ) أنّه خطاب للمؤمنين ، فلو كان المعلّم يهوديّا أو نصرانيّا فكره الصّيد به ، الحسن ، أو مجوسيّا فكره الصّيد به ، جابر بن عبد اللّه والحسن وعطاء ومجاهد والنّخعيّ والثّوريّ وإسحاق .
وأجاز أكل صيد كلابهم مالك وأبو حنيفة والشّافعيّ إذا كان الصّائد مسلما . قالوا : وذلك مثل شفرته ، والجمهور على جواز ما صاد الكتابيّ ، وقال مالك : لا يجوز ، فرّق بين صيده وذبيحته .
وما صاد المجوسيّ فالجمهور على منع أكله ، عطاء وابن جبير والنّخعيّ ومالك وأبو حنيفة واللّيث والشّافعيّ ، وقال أبو ثور : فيه قول إنّهم أهل كتاب ، وأنّ صيدهم جائز .
( وما علّمتم ) موضع ( ما ) رفع على أنّه معطوف على ( الطّيّبات ) ويكون حذف مضاف ، أي وصيد ما علّمتم ، وقدّره بعضهم : واتّخاذ ما علّمتم ، أو رفع على الابتداء و ( ما ) شرطيّة ، والجواب ( فكلوا ) وهذا أجود ، لأنّه لا إضمار فيه .
وقرأ ابن عبّاس وابن الحنفيّة ( وما علّمتم ) مبنيّا للمفعول ، أي من أمر الجوارح والصّيد بها ، وقرأ ( مكلبين ) من « أكلب » وفعّل وأفعل قد يشتركان .
والظّاهر دخول الكلب الأسود البهيم في عموم ( الجوارح ) وأنّه يجوز أكل صيده ، وبه قال الجمهور .
ومذهب أحمد وجماعة من أهل الظّاهر أنّه لا يجوز أكل صيده ، لأنّه مأمور بقتله . وما أوجب الشّرع قتله فلا يجوز أكل صيده . وقال أحمد : لا أعلم أحدا رخّص فيه إذا كان بهيما ، وبه قال ابن راهويه ، وكره الصّيد به الحسن وقتادة والنّخعيّ . [ ثمّ ذكر شروط التّعليم في
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 287
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٢٨٧