والمؤمنين معه . ولاتنا في بينهما ، فإنّ عموم الرّحمة الّتي حملته عليها نشأة الأنبياء عليهم السّلام لا يميّز بين شخص وشخص ، فإنّ الأمّة بالنّسبة إلى النّبيّ كالأولاد بالنّسبة إلى الأب ، وكفرهم لا يرفع الرّحمة في حقّهم . ويدلّ عليه حال نوح مع ابنه كنعان كما وقفت عليه فيما سبق ، وإنّما مجيء البشرى في حقّ قومه فقط فبقي الألم في حقّ الغير على حاله ، واتّصال القرابة بين إبراهيم ولوط يقتضي أن يكون قوم لوط في حكم قوم إبراهيم ، فافهم . ( 4 : 164 )
الآلوسيّ : أي يجادل رسلنا في حالهم وشأنهم ، ففيه مجاز للإسناد ، وكانت مجادلته عليه السّلام لهم ما قصّه اللّه سبحانه في قوله ، في سورة العنكبوت :
وَلَمَّا جاءَتْ . . .
الآية ، فقوله عليه السّلام :
إِنَّ فِيها لُوطاً
مجادلة ، وعدّ ذلك مجادلة ، لأنّ مآله على ما قيل : كيف تهلك قرية فيها من هو مؤمن غير مستحقّ للعذاب ؟ ولذا أجابوه بقولهم :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ . . .
هذا القدر من القول هو المتيقّن . [ ثمّ نقل قول حذيفة المتقدّم وأضاف : ]
وروي نحو ذلك عدّة روايات ، اللّه تعالى أعلم بصحّتها . وفسّر بعضهم المجادلة بطلب الشّفاعة ، وقيل :
هي سؤاله عن العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطّاعة ؟
وأيّامّا كان ف ( يجادلنا ) جواب ( لمّا ) وكان الظّاهر « جادلنا » إلّا أنّه عبّر بالمضارع لحكاية الحال الماضية واستحضار صورتها . وقيل : إنّ ( لمّا ) ك « لو » تقلب المضارع ماضيا ، كما أنّ ( إن ) تقلب الماضي مستقبلا .
وقيل : الجواب محذوف ، وهذه الجملة في موضع الحال من فاعله ، أي أخذ أو أقبل مجادلا لنا . وآثر هذا الوجه الزّجّاج ولكنّه جعله مع حكاية الحال وجها واحدا . [ وذكر قوله في معنى الآية وأضاف : ]
وصنيع الزّمخشريّ يدلّ على أنّهما وجهان ، وتحقيقه على ما في « الكشف » أنّه إذا أريد استمرار الماضي فهو كما ذكره الزّجّاج ، وإن أريد التّصوير المجرّد فلا .
وقيل : الجواب محذوف والجملة مستأنفة استئنافا نحويّا أو بيانيّا وهي دليل عليه ، والتّقدير : اجترأ على خطابنا أو فطن بمجادلتنا وقال : كيت وكيت ، واختاره في « الكشّاف » .
وقيل : إنّ هذه الجملة - وكذا الجملة الّتي قبلها - في موضع الحال من ( إبراهيم ) على التّرادف أو التّداخل ، وجواب ( لمّا ) قلنا : يقدّر قبل
يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا
هود : 76 ، وأقرب الأقوال أوّلها . ( 12 : 103 )
المراغيّ : وهذه المجادلة قد فصّلت في سورة العنكبوت 31 و 32 ، فجاء فيها :
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ
[ إلى الغابرين ] .
كما جاءت هذه المجادلة في الفصل الثّامن عشر من سفر التّكوين من التّوراة ، ففيه : « إنّ الرّبّ ظهر لإبراهيم وهو جالس في باب الخيمة ، فظهر له ثلاثة رجال فاستضافهم ، وأتى لهم بعجل وخبز ملّة فأكلوا وبشّروه بالولد . فسمعت امرأته سارة فضحكت وتعجّبت لكبرها وانقطاع عادة النّساء عنها . فقال الرّبّ لإبراهيم : لماذا ضحكت سارة ، هل يستحيل على الرّبّ شيء ؟
وانصرف الرّجال « أي الملائكة » من هناك وذهبوا نحو سدوم « قرية قوم لوط » وإبراهيم لم يزل قائما أمام الرّبّ ، فتقدّم إبراهيم وقال : أفتهلك البارّ مع الأثيم ؟