الكلام : جادلنا ، لأنّ جواب ( لمّا ) إنّما يكون ماضيا ، فأقام المستقبل مقام الماضي ، كما يجعل الماضي مقام المستقبل في الشّرط والجزاء ، وإن كان حقّه أن يكون مستقبلا .
وقيل : إنّما أقيم المضارع مقام الماضي على طريق حكاية ، كقوله تعالى :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ
الكهف : 18 ؟ فأعمل « باسطا » وهو لما مضى ، لأنّه أراد حكاية الحال . ( 2 : 24 )
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ قوله :
يُجادِلُنا
أي يجادل رسلنا .
فإن قيل : هذه المجادلة إن كانت مع اللّه تعالى فهي جراءة على اللّه ، والجراءة على اللّه تعالى من أعظم الذّنوب ، ولأنّ المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم ، وذلك يدلّ على أنّه ما كان راضيا بقضاء اللّه تعالى وأنّه كفر . وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا عجيبة ، لأنّ المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط . فإن كان قد اعتقد فيهم أنّهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظنّ بهم ، وإن اعتقد فيهم أنّهم بأمر اللّه جاءوا ، فهذه المجادلة تقتضي أنّه كان يطلب منهم مخالفة أمر اللّه تعالى ، وهذا منكر .
والجواب من وجهين :
الوجه الأوّل : - وهو الجواب الإجماليّ - أنّه تعالى مدحه عقيب هذه الآية ، فقال :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
هود : 75 ، ولو كان هذا الجدل من الذّنوب لما ذكر عقيبه ما يدلّ على المدح العظيم .
والوجه الثّاني : - وهو الجواب التفصيليّ - أنّ المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم ، وتقريره من وجوه :
الوجه الأوّل : أنّ الملائكة قالوا :
إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
فقال إبراهيم : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها ؟ قالوا : لا ، قال : فأربعون ؟
قالوا : لا ، قال : فثلاثون ؟ قالوا : لا ، حتّى بلغ العشرة قالوا : لا ، قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا ، فعند ذلك قال : إنّ فيها لوطا . وقد ذكر اللّه تعالى هذا في سورة العنكبوت ، فقال :
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ . . . .
ثمّ قال :
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ
العنكبوت : 33 . فبان بهذا أنّ مجادلة إبراهيم عليه السّلام إنّما كانت في قوم لوط ، بسبب مقام لوط فيما بينهم .
الوجه الثّاني : يحتمل أن يقال : إنّه عليه السّلام كان يميل إلى أن تلحقهم رحمة اللّه بتأخير العذاب عنهم ، رجاء أنّهم ربّما أقدموا على الإيمان والتّوبة عن المعاصي ، وربّما وقعت تلك المجادلات بسبب أنّ إبراهيم كان يقول : إنّ أمر اللّه ورد بإيصال العذاب . ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التّراخي فاصبروا مدّة أخرى ، والملائكة كانوا يقولون : إنّ مطلق الأمر يقبل الفور ، وقد حصلت هناك قرائن دالّة على الفور ، ثمّ أخذ كلّ واحد منهم يقرّر مذهبه بالوجوه المعلومة ، فحصلت المجادلة بهذا السّبب ، وهذا الوجه عندي هو المعتمد .
الوجه الثّالث في الجواب : لعلّ إبراهيم عليه السّلام سأل عن