23 -
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
نوح : 7
يلاحظ أنّ فيها ثلاثة محاور :
المحور الأوّل : بمعنى الثّواب ، وفيه بحوث :
1 - جاء الفعل من باب « الإفعال » معلوما ( 3 ) مرّات في ( 1 ) و ( 2 ) و ( 3 ) ، ومن باب « التّفعيل » مجهولا مرّة واحدة في ( 4 ) ، والفاعل هو اللّه في المعلوم ، وفي المجهول أيضا محذوفا .
2 - اثنتان من هذه الأربع - وهما ( 1 ) و ( 2 ) - في الدّنيا ، إحداهما عذاب ، والأخرى ثواب ، واثنتان منها - وهما ( 3 ) و ( 4 ) - في الآخرة . كذلك : إحداهما ثواب والأخرى عذاب .
3 - يبدو أنّ صيغة « التّفعيل » في ( 4 ) للتّشديد والمبالغة ، وقد أكّدهما الفعل المجهول ، لأنّ الجهل بالفاعل يشدّد معنى الفعل نظير
وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
الأحزاب : 61 .
4 - اختلفوا في إعراب هذه الآية ، وفي معناها ، وفي الاستفهام :
أمّا إعرابها فقيل : إنّ محلّها نصب ب ( ينظرون ) في قوله :
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ، *
أي إنّ المؤمنين وهم على أرائكهم في الجنّة ينظرون إلى الكفّار في النّار - هل جوزوا بما عملوا في الدّنيا من الاستهزاء بالمؤمنين ، ليسرّوا بذلك ؟ وقيل : إنّها مستأنفة - قولا من اللّه أو الرّسول أو المؤمنين بعضهم لبعض - هل الكفّار جوزوا بما عملوا ؟ و « ما » على القولين إمّا مصدريّة أو موصولة ، والعائد محذوف ، وكذلك ( الباء ) ، أي بما كانوا يفعلونه .
وأمّا معناها : هل الكفّار جوزوا العذاب بعملهم - لو أريد بالثّواب معناه الأعمّ وهو الجزاء ، أو أريد به الثّواب تهكّما وسخريّة - أو هل الكفّار أثيبوا بأعمالهم بمثل ما أثيب المؤمنون بأعمالهم ؟ وعليه فالثّواب بمعناه الخاصّ .
وعندنا أنّها متعلّقة ب ( ينظرون ) ، وليست مستأنفة ، وإلّا يبقى ( ينظرون ) بلا متعلّق . ومعناها - كما قال الطّباطبائيّ - المؤمنون على سرر في الحجال ، ينظرون إلى جزاء الكفّار بأعمالهم الّتي كانوا يفعلونها في الدّنيا . وعليه فحذف « إلى » كما حذف مدخولها ، أي الكفّار ، اكتفاء بالجملة الاستفهاميّة الّتي وضعت موضع متعلّق ( ينظرون ) .
وسواء كانت ( ما ) موصولة - وهو الأقرب ، لوجود ( كانوا ) - أم مصدريّة ، فالباء مقدّرة ، أي ثوّبوا بما كانوا يعملون ، ولنا أن نفرّق بين الفعل المعلوم والمجهول ، أو بين « ثوّب » و « أثاب » بلزوم « الباء » في الثّاني دون الأوّل .
ولكنّ الزّمخشريّ قال : « ثوّبه وأثابه ؛ إذا جازاه » .
ولنا القول : بأنّ « ثوّب » من « المثابة » بمعنى الرّجوع ، أي هل رجع الكفّار عن تكذيبهم ، أو من « الثّوب » ، أي هل ألبس الكفّار ثوب العذاب على أعمالهم ؟ فبعيد جدّا .
وأمّا الاستفهام فقيل : إنّه سؤال المؤمنين الكفّار - بناء على الاستئناف - حقيقة أو توبيخا لهم ، هل جوزوا بأعمالهم ؟ أو هل رجعوا عن أعمالهم ؟ أو هل رجع اللّه في عذابهم ، ظنّا بكرم اللّه بهم ؟ فكلّ ذلك بعيد عن السّياق ، لأنّا فضّلنا أنّها متعلّقة ب ( ينظرون ) ، فالاستفهام حقيقيّ ، وهو حديث نفس للمؤمنين ، لينظروا ما يؤول إليه حال الكفّار .