موضع رفع على البدل لا يصحّ ألبتّة ، لأنّ الّذي قبله موجب ، فكما لا يجوز : قام القوم إلّا زيد على البدل ، كذلك لا يجوز البدل في
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ .
وأمّا كون ( الّا ) عاطفة فهو شيء ذهب إليه بعض الكوفيّين كما ذكر ابن عطيّة ، وقوله : وذلك لا يجوز عند البصريّين ، ظاهره الإشارة إلى وجهي الرّفع البدل والعطف ، وقوله : إلّا من نكرة ، هذا استثناء مبهم لا يدرى من أيّ شيء هو ، وكلا وجهي الرّفع لا يصلح أن يكون استثناء منه ، لأنّ البدل من الموجب لا يجيزه أحد علمناه لا بصريّ ولا كوفي .
وأمّا العطف فلا يجيزه بصريّ ألبتّة ، وإنّما الّذي يجيزه البصريّون أن يكون نعتا لما قبله ، في مثل هذا التّركيب ، وشرط فيه بعضهم ما ذكر من أنّه يكون من المنعوت نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس ، تفلعلّ ابن عطيّة اختلط عليه البدل والنّعت ، ولم يفرّق بينهما في الحكم .
ولو فرضنا تبعيّة ما بعد ( الّا ) لما قبلها في الإعراب على طريقة البدل حتّى يسوغ ذلك ، لم يشترط تنكير ما قبل ( الّا ) ولا كونه مقاربا للنّكرة من أسماء الأجناس ، لأنّ البدل والمبدل منه يجوز اختلافهما بالتّنكير والتّعريف .
ابن كثير : [ نقل قول ابن عبّاس وقتادة ثمّ قال : ]
والظّاهر - واللّه أعلم - أنّ المراد بذلك قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ . . .
فإنّ هذه وإن كانت من الأنعام إلّا أنّها تحرم بهذه العوارض ، ولهذا قال :
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
يعني منها ، فإنّه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه ، ولهذا قال تعالى :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
أي إلّا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال . ( 2 : 472 )
الشّربينيّ : أي تحريمه ، في قوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ . . .
استثناء منقطع ، ويجوز أن يكون متّصلا ، والتّحريم عرض من الموت ونحوه . ( 1 : 350 )
الآلوسيّ : ذكر ابن السّبكيّ وغيره أنّ قوله تعالى :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
مجمل للجهل بمعناه قبل نزول مبيّنه ، ويسري الإجمال إلى ما تقدّم ، ولكن ليس محلّ النّزاع .
والاستثناء متّصل من ( بهيمة ) بتقدير مضاف محذوف من ( ما يتلى ) أي إلّا محرّم
ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ،
وعنى بالمحرّم الميتة ، و
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . . .
إلى آخر ما ذكر في الآية الثّالثة من السّورة ، أو من فاعل ( يتلى ) ،
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
آية تحريمه ، لتكون ( ما ) عبارة عن البهيمة المحرّمة لا اللّفظ المتلوّ ، وجوّز اعتبار التّجوّز في الإسناد من غير تقدير ، وليس بالبعيد .
وأمّا جعله مفرّغا من الموجب في موضع الحال ، أي إلّا كائنة على الحالات المتلوّة ، فبعيد - كما قال الشّهاب - جدّا . وذهب بعضهم إلى أنّه منقطع بناء على الظّاهر ، لأنّ المتلوّ لفظ ، والمستثنى منه ليس من جنسه .
والأكثرون على الأوّل ، ومحلّ المستثنى النّصب ، وجوّز الرّفع على ما حقّق في النّحو . ( 6 : 50 )
سيّد قطب : وهو الّذي سيرد ذكره محرّما ؛ إمّا حرمة وقتيّة أو مكانيّة ، أو حرمة مطلقة في أيّ مكان ، وفي أيّ زمان . ( 2 : 837 )