وقيل : المراد كبّه على وجهه ، وكان ذلك بإشارة منه .
أخرج غير واحد عن مجاهد أنّه قال لأبيه :
لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني ، فلا تجهز عليّ ، اربط يديّ إلى رقبتي ، ثمّ ضع وجهي للأرض ، ففعل فكان ما كان . ولا يخفى أنّ إرادة ذلك من الآية بعيد ، نعم لا يبعد أن يكون الذّبيح قال هذا . [ إلى أن قال في تعيين الموضع ]
وقيل : كان ببيت المقدس ، وحكي ذلك عن كعب ، وحكى الإمام - مع هذا القول - أنّه كان بالشّام .
( 23 : 130 )
عزّة دروزة : سحبه وطرحه على الأرض ، وجعل جبينه نحوها تهيّؤا لذبحه . ( 4 : 257 )
عبد الكريم الخطيب : أي طرحه على التّلّ .
والتّلّ : المكان المرتفع ، كهضبة أو نحوها ، والجبين :
الجبهة . ( 12 : 1006 )
المصطفويّ : ولا يخفى أنّ الإسقاط والإلقاء والصّرع والكبّ والصبّ والتّلّ ، كلّ منها قريب مفهوما من الآخر . ويعتبر في الإسقاط : الإلقاء من العلوّ والتّخلية . والإلقاء أعمّ من أن يكون من محلّ عال أو مساو في المادّيّات أو في المعنويّات .
ويعتبر في الصّبّ : الانحدار بالتّدريج في المائع وما يشبهه . ويعتبر في الكبّ : الصّرع على الوجه ، فكبّ الإناء : القلب على الرّأس . وأمّا « الصّرع » فهو أعمّ من أن يكون على الوجه أو على القفا .
وأمّا « التّلّ » فهو الصّرع الضّعيف النّاقص ، ولا يلزم أن يكون المتلول مصروعا بتمام بدنه وأعضائه ، ففي مفهومه شيء من الارتفاع والانتصاب ، وهذا المعنى هو الموجب لانتخاب هذه الكلمة .
وبهذا يظهر ما في تعبير
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
من اللّطف والدّقّة .
وأمّا عدم التّعبير بحرف « على » فللإشارة إلى أنّ « التّلّ » بمنظور تلّ الجبين ، لحصول امتثال الأمر بهذه المقدّمة وبهذا المقدار ، وليس الصّرع الكلّيّ مطلوبا حتّى يعبّر بجملة : وتلّه على الجبين . ( 1 : 372 )
مكارم الشّيرازيّ : القرآن الكريم يوضّح هذا الأمر في جملة قصيرة ، ولكنّها مليئة بالمعاني ، قوله تعالى :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ .
[ أي استسلامهما للأمر الإلهيّ ]
مرّة أخرى تطرّق القرآن هنا باختصار ، كي يسمح لتاليه متابعة هذه القصّة بانشداد كبير .
قال البعض : إنّ المراد من عبارة
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
هو أنّه وضع جبين ولده - طبقا لاقتراحه - على الأرض ، حتّى لا تقع عيناه على وجه ابنه فتتهيّج عنده عاطفة الأبوّة ، وتمنعه من تنفيذ الأمر الإلهيّ .
على أيّة حال كبّ إبراهيم عليه السّلام ابنه على جبينه ، ومرّر السّكّين بسرعة وقوّة على رقبة ابنه ، وروحه تعيش حالة الهيجان ، وحبّ اللّه كان الشّيء الوحيد الّذي يدفعه إلى تنفيذ الأمر ، ومن دون أيّ تردّد .
إلّا أنّ السّكّين الحادّة لم تترك أدنى أثر على رقبة إسماعيل اللّطيفة .
وهنا غرق إبراهيم في حيرته ، ومرّر السّكّين مرّة