يلاحظ أوّلا : أنّ في معنى « تفث » اختلافا كبيرا أهو الوسخ وإزالته أم المناسك كلّها ؟ ولا شاهد لهما من اللّغة سوى ما حكاه نفطويه عن أعرابيّ فصيح : ما أتفثك وأدرنك ! وقول الثّعلبيّ : تقول العرب للرّجل تستقذره :
ما أتفثك ! أي ما أوسخك وأقذرك ، مستشهدا بالشّعر .
وعليه فالكلمة عربيّة ، ولا وجه لكونها مأخوذة من العبريّة كما ادّعاه المصطفويّ ، ولا ترجمتها بإزالة الوسخ ، بل هي مفهومة من « قضوا » . ولا تعني المناسك كلّها ، نعم التّقصير والحلق وتقليم الأظافر ، ونحوها من المناسك مصاديق لإزالة الوسخ .
ولا دعوى أنّ القرآن أصل لها ، فإنّ القرآن كتاب عربيّ ، لا يستعمل إلّا ما تكلّم به العرب ، ولو بعض قبائلهم ، وحتّى المعرّبات فقد أخذوها من غيرهم ، وأدرجوها في كلامهم ، فسرت إلى القرآن ، ولم يأخذها القرآن من غيرهم مباشرة ، وإلّا ما فهمته العرب ، ولم يكن بالنّسبة إليهم كلاما عربيّا .
ثانيا : مجيئها مرّة واحدة دون الاضطرار إلى رعاية الرّويّ ، دليل على أنّ عرب الجاهليّة كانوا يعبّرون بها عن خروجه من الإحرام ، فصارت عندهم تعبيرا صادقا عن التّخلّي عن قيود الإحرام ، فأتى بها القرآن في موضعها ، حفاظا على عاداتهم ، ولا مجال لها في غير هذا الموضع .
وهي إشارة أيضا إلى صعوبة مناسك الحجّ بالإمساك عن أشياء ، حتّى اكتنفت الأوساخ الحاجّ ، فبادر إلى إزالتها بعد المناسك ، وسمّوها : تفثا .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 791
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧٩١