بحساب العرب ، واعتبار القمريّة بيانا للتّفاوت بينهما ، إذ التّفاوت بينهما في كلّ مئة سنة ثلاث سنين ، دعوى يتوقّف تصحيحها على ثبوت أنّ أهل الكتاب أرادوا بالسّنة الشّمسيّة ، وأنّه قصّ علينا ما أرادوه بالسّنة الهلاليّة ، فلذلك قال :
وَازْدَادُوا تِسْعاً
لنقف على تحديد ما عنوه .
ومن أين يثبت ذلك ؟ وما الدّاعي لهذا التّعمّق المشوّش ؟ والآية جليّة بنفسها في دعواهم مدّة لبثهم .
وقد يريدون السّنة الشّمسيّة أو الهلاليّة ، وبأيّ منهما قالوا : فقد ردّ عليهم بقوله :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
الكهف : 26 ، أي بمقدار لبثهم . فلا تقفوا ما ليس لكم به علم ، وما هو غيب يرد إليه سبحانه ، كما قال :
لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما ، أي أنّه هو وحده العالم به .
( 11 : 4047 )
الطّنطاويّ : يقول اللّه إخبارا من عنده : ولبث أهل الكهف إلى يوم النّبوّة المحمّديّة ثلاثمئة سنة وتسع سنين .
ولمّا سمع أهل الكتاب وهم نصارى نجران ذلك قالوا : أمّا الثّلاثمئة فقد عرفناها وأمّا التّسع فلا علم لنا بها ، فقال اللّه له :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
الكهف : 26 ، كما قلنا لك من قبل :
فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً
الكهف : 22 ، لأنّ المقام مقام اعتبار وحكم ، والمشاغبة والجدال يضيّع المقصود من الرّسالة ومن العلم .
ثمّ اعلم أيّها الفطن أنّ هذه معجزة أهمّ من ذكر قصّة أهل الكهف ، لأنّ اللّه يقول : أيّها النّاس هذا النّبيّ الأمّيّ الّذي لم يقرأ ولم يكتب ولم يدرس علم الحساب ولا الهندسة والفلك من أين جاء له أنّ كلّ ثلاثمئة سنة تزداد تسع سنين ، وبعبارة أخرى من أين عرف أنّ كلّ مئة سنن شمسيّة تزيد ثلاث سنين قمريّة ، وكلّ ثلاث وثلاثين سنة شمسيّة تزيد سنة قمريّة ، وكلّ سنة شمسيّة تزيد نحو ( 11 ) يوما ، من أين جاء له ذلك وهو لم يدرس ذلك .
وكيف ينزل عليه لفظ
وَازْدَادُوا
ليفصل بين الزّيادة في القمريّة والمزيد عليه في الشّمسيّة ، هل هذه رمية من غير رام ؟
وإذا وقفت أهل نجران وقالوا : لا نعرف التّسع ونعرف الثّلاثمئة ، أفلا يتفطّن لهذا القول ويعرفوا أنّ هناك معاني وأنّ أهل عصر النّبوّة عجزوا عن فهم مثل هذه الأمور ؟
وإذا كان حبر عظيم من أكبر علماء الإسلام كالعلّامة الرّازيّ رحمه اللّه يقول : وإنّ الحساب لا يوافق هذا القول ، فكيف بغيره من الّذين لا علم لهم ؟ !
فإذا كان فلاسفة الإسلام وحكماؤهم يتردّدون في هذا القول من حيث السّنين الشّمسيّة والقمريّة ، ويقولون : ليس ذلك حقيقة ، فكيف بغيرهم ممّن لا علم لهم بحساب ولا فلك ؟ !
ولقد أرأيتك الحقيقة ناصعة كما أثبتها المحقّقون وقرأناه في الفلك ، وأصبح معلوما مشهورا عند علمائه ، أفلا تعجب من حكمة عالية وآيات ظاهرة وعجائب باهرة ؟ ! ( 9 : 129 )
محمّد جواد مغنيّة : بعد أن استطرد سبحانه بذكر الآيتين ، عاد إلى أهل الكهف ، وبيّن أنّهم مكثوا في نومهم