ضعفة الإيمان دون معظمهم .
ويفضّ النّزاع بأنّ ذلك كان قد حدث في أوائل الهجرة ، وهم يومئذ لم يألفوا صلاة الجمعة ، ولم يعتادوها ، ويشهد به ما جاء قبلها :
إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ . . .
الجمعة : 9 ، فعاتبهم اللّه بذلك وعذلهم . وله نظائر في القرآن في مواضيع أخرى ، تسديدا وتأديبا لهم ، لاحظ « ه ج ر ، المهاجرين والأنصار » . وقد جاءت أمثالها خطابا للنّبيّ بالذّات ، فأوّلها المفسّرون قاطبة تأويلا يتماشى مع كرامة النّبيّ وعصمته ، كما ترى أدناه .
ومنها : في ( 35 ) :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ،
قالوا : كيف يترك النّبيّ - وهو مأمور بالتّبليغ - وبعض ما يوحى إليه ؟ ولا سيّما تجويزه يؤدّي إلى الشّكّ في النّبوّات ؟ ! وأجابوا عنه بوجوه :
1 - أنّه كان يضيق صدر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بأن يلقي إلى النّاس ما لا يقبلونه ويستخفّون به ، فيرى أنّ تركه أولى وأصلح ، فخصّه اللّه لأداء الرّسالة ، وعدم المبالاة باستخفافهم وسفاهتهم ، والإعراض عن سخريّتهم واستهزائهم ، وأنّه أولى من تركهم رأسا ، فإنّه يؤدّي إلى الخيانة في الرّسالة ، وقد أتي بلفظ ( لعلّك ) - الدّالّ على الشّكّ - تخفيفا للعتاب ، ورعاية للأدب .
2 - أنّهم لمّا قالوا له : « لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا لاتّبعناك » ، فهمّ بأن يدع سبّ آلهتهم ، والكلام معناه الاستفهام ، أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك ؟
3 - لعظم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهّم أنّهم سيزيلونك عن بعض ما أنت عليه من تبليغ ما أوحي إليك . ف ( لعلّ ) هنا لتوقّع شيء سيقع ، وليس معناه أنّه وقع ، وهي نظير
طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
طه : 1 ، 2 ، إلى غير ذلك من التّأويلات ، ولا سيّما ما ذكره الطّباطبائيّ من أنّه تمهيد لقوله :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ
الرّعد : 7 ، فلاحظ .
وعندنا أنّ للّه مع رسوله مواقف كلّها رحمة له ، وحتّى العتاب منه تعالى يخفّف آلامه ، وهي أنس الحبيب بحبيبه . وليس عتابات القرآن له ما يقتضي عصيانا ، بل هي إرشاد إلى ما هو أولى ممّا فعله النّبيّ ، وقد عبّروا عنها ب « ترك الأولى » .
ومن ناحية أخرى فإنّ هذه العتابات تحمل صبغة الصّراحة والصّداقة بين اللّه ورسوله ، ووجودها في القرآن دليل على صدقه في رسالته ، فكان لا يكتم شيئا من الوحي حتّى العتابات الإلهيّة ، الموجّهة إليه .
ومن جملة المحامل المعروفة في هذه العتابات أنّها من قبيل « إيّاك أعني واسمعي يا جارة » ، أي أنّها وجّهت إليه وأريد بها الأمّة . ونقول : ولو لم تكن الأمّة مرادة بها ، فإنّها تتنبّه بها كأدنى تقدير ، فيهون عليها ما نزلت من الآيات عتابا وتوبيخا لها ، وتقلّ بها ما تتمنّاه من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في التّسامح معها في أحكام اللّه تعالى .