مورّثون ؟ والأولى بالسّياق هو الثّاني ، مع ملاحظة ما قبلها
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ . . .
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ
النّساء : 32 ، 33 ، أي جعلنا لكلّ من الرّجال والنّساء موالي ، أي من هو أولى بأن يرثهم ممّا تركه الوالدان والأقربون .
ف « الموالي » تتضمّن معنى « الوارث » ، فيتعلّق بها ( ممّا ترك ) ، و « من » للتّعدية ، و ( الوالدان والأقربون ) فاعل ( ترك ) ، والمعنى لكلّ من النّساء والرّجال ورّاث يرثونهم ممّا تركه ( الوالدان والأقربون ) .
وعليه فإنّ ( الوالدان والأقربون ) جاء مكان ( الرّجال والنّساء ) في الأوّل كأظهر المصاديق للمورّثين .
وقدّم ( لكلّ ) على ( جعلنا ) تنجيزا للرّبط بينها وما تقدّمها من الرّجال والنّساء .
ويؤيّد ما ذكرنا من أنّ ( الوالدان والأقربون ) هم الوارثون الآية ( 3 ) :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ؛
إذ سياق الآيتين واحد .
ومنها : في ( 23 ) :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ،
وقد استشكل عليه بأنّه أوّلا : لو أريد بتركهم إهمالهم مباشرة فهذا لا يليق باللّه ، وإن أريد به تصييرهم في الظّلمات ، فالفعل ( ترك ) يحتاج إلى مفعول ثان ، وهو إمّا ( في ظلمات ) ، ويكون ( لا يبصرون ) حالا ، وإمّا ( لا يبصرون ) ، و ( في ظلمات ) ظرف له أو ل ( تركهم ) ، أو حال من الضّمير في ( يبصرون ) .
وعندنا أنّ ( تركهم ) هنا من المحور الثّاني بمفعول واحد ، أي ( أبقاهم ) ، و ( وفي ظلمات ) ظرف له ، و ( لا يبصرون ) حال من ضمير المفعول في ( تركهم ) ، وتنكير ( ظلمات ) وجمعها وتقييده بكونهم ( لا يبصرون ) ، كلّها تأكيد بعد تأكيد ، لإذهاب نورهم بأسره ، حتّى لم يبق لهم نور أبدا ، والجملة بمكان من البلاغة والمبالغة .
ثانيا : قال المعتزلة ومن ذهب مذهبهم في العدل ، في مثل هذه الآية : كيف يعاونهم اللّه على الضّلالة وهو قبيح منه ؟ فأوّلوها بالتّخلية بينهم وبين أعمالهم ، من دون إعانة لهم على ذلك .
والحقّ في مثلها أنّ ذلك مجازاة للكفّار والمنافقين في الدّنيا ، بسبب إعراضهم عن الحقّ بعد قدرتهم على معرفته وقبوله ، فسلبها منهم ، وختم على قلوبهم ، وهذا معنى « الإضلال » في مثل
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ
إبراهيم : 4 ، لاحظ « ض ل ل » .
ومنها : في ( 24 ) :
وَتَرَكُوكَ قائِماً ،
استصعب جمهور أهل السّنّة الأمر ؛ إذ كيف تركه الصّحابة قائما ، وانفضّوا إلى اللّهو أو التّجارة ، وهم من الرّعيل الأوّل في الإيمان ؟ فأوّلوها - تنزيها لهم - بأنّ الخطبة في يوم الجمعة كانت بعد الصّلاة مثل العيدين ، فظنّوا أنّهم قد قضوا ما وجب عليهم ، وليس في ترك الخطبة خطيئة ، فجعلت بعد ذلك قبل الصّلاة ، فكان لا يخرج بعد النّهي أحد لرعاف أو حدث حتّى يستأذن النّبيّ عليه السّلام إشارة باليد فيأذن له بذلك .
ومن ناحية أخرى فقد راق للنّاس الحطّ من شأن الصّحابة بذلك ، وهذا يلائم ما نصّ عليه القرآن من جهادهم بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ، إلّا قليلا من