وجه ، والبائع من وجه . فمن صرف رأس ماله إلى المنافع الدّنيويّة الّتي تنقطع عند الموت ، فتجارته دنيويّة كاسدة خاسرة وإن كان بتحصيل علم دينيّ ، أو كسب عمل صالح فضلا عن غيرهما ، فإنّما الأعمال بالنّيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى . ومن صرفه إلى المقاصد الأخرويّة الّتي لا تنقطع أبدا ، فتجارته رائجة رابحة ، حريّة بأن يقال :
فاستبشروا ببيعكم الّذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم .
ولعلّ المراد من التّجارة هنا بذل المال والنّفس في سبيل اللّه ، وذكر الإيمان لكونه أصلا في الأعمال ، ووسيلة في قبول الآمال . وتوصيف التّجارة بالإنجاء ، لأنّ النّجاة يتوقّف عليها الانتفاع ، فيكون قوله تعالى :
يَغْفِرْ لَكُمْ
بيان سبب الإنجاء .
وقوله :
وَيُدْخِلْكُمْ
بما يتعلّق به بيان المنفعة الحاصلة من التّجارة ، مع أنّ التّجارة الدّنيويّة تكون سببا للنّجاة من الفقر المنقطع ، والتّجارة الأخرويّة تكون سببا للنّجاة من الفقر الغير المنقطع ، قال عليه السّلام : « نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس : الصّحّة والفراغ » يعني أنّ نعمتي الصّحّة والفراغ كرأس المال للمكلّف ، فينبغي أن يعامل اللّه بالإيمان به وبرسوله ، ويجاهد مع النّفس لئلّا يغبن ، ويربح في الدّنيا والآخرة ، ويجتنب معاملة الشّيطان ، لئلّا يضيع رأس ماله مع الرّبح . ( 9 : 509 )
العامليّ : [ أورد بعض الرّوايات التّأويليّة فلاحظ ]
( 108 )
أحمد بدويّ : و [ قال : ( تجارة ) ] لأنّ النّكرة لا تدلّ على شيء معيّن ، [ و ] كان استخدامها في بعض المقام مثيرا للشّوق والرّغبة في المعرفة ، كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ .
( 130 )
الطّباطبائيّ : [ قال بعد تفسير التّجارة عن الرّاغب : ]
فقد أخذ الإيمان والجهاد في الآية تجارة رأس مالها النّفس ، وربحها النّجاة من عذاب أليم ، والآية في معنى قوله :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى . . .
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ
التّوبة : 111 .
وقد فخّم تعالى أمر هذه التّجارة ؛ حيث قال :
عَلى تِجارَةٍ
أي تجارة جليلة القدر عظيمة الشّأن ، وجعل الرّبح الحاصل منها النّجاة من عذاب أليم ، لا يقدّر قدره .
ومصداق هذه النّجاة الموعودة : المغفرة والجنّة ، ولذا بدّل ثانيا النّجاة من العذاب من قوله :
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ
الصّفّ : 12 .
وأمّا النّصر والفتح الموعودان : فهما خارجان عن النّجاة الموعودة ، ولذا فصلهما عن المغفرة والجنّة ، فقال :
وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
الصّفّ :
13 ، فلا تغفل . ( 19 : 258 )
مكارم الشّيرازيّ : الدّنيا موضع تجارة أولياء اللّه .
جاء في « نهج البلاغة » أنّ الإمام عليّ عليه السّلام قال لرجل كثير الادّعاء والتّملّق ، كان يذمّ الدّنيا كثيرا :
« إنّك على خطأ ، إنّ الدّنيا رأس مال كبير ، لأولئك الّذين هم على وعي ومعرفة » . ثمّ أعطى عليه السّلام شرحا لهذا المفهوم من جملته : « الدّنيا متجر أولياء اللّه » ومحلّ تجارة