وهذا قول الأكثرين .
قال الحسن : أما واللّه إن كانوا ليتّجرون ، ولكن إذا جاءت فرائض اللّه لم يلههم عنها شيء ، فقاموا بالصّلاة والزّكاة .
وعن سالم : نظر إلى قوم من أهل السّوق ، تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصّلاة ، فقال : هم الّذين قال تعالى فيهم :
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ،
وعن ابن مسعود مثله .
واعلم أنّ هذا القول أولى من الأوّل ، لأنّه لا يقال :
إنّ فلانا لا تلهيه التّجارة عن كيت وكيت إلّا وهو تاجر ، وان احتمل الوجه الأوّل . [ ثمّ قال ما تقدّم عنه في « بيع » فراجع ] ( 24 : 4 )
نحوه النّيسابوريّ ( 18 : 113 ) ، وأبو حيّان ( 6 : 458 ) .
البيضاويّ : [ ذكر ما تقدّم عنه في « بيع » وأضاف : ]
وقيل : المراد بالتّجارة : الشّراء ، فإنّه أصلها ومبدؤها . وقيل : الجلب ، لأنّه الغالب فيها ، ومنه يقال :
تجر في كذا ، إذا جلبه ، وفيه إيماء بأنّهم [ رجال ] تجّار .
( 2 : 129 )
النّسفيّ : ( تجارة ) في السّفر ، ( ولا بيع ) في الحضر .
وقيل : التّجارة : الشّراء إطلاقا لاسم الجنس على النّوع ، أو خصّ البيع بعد ما عمّ ، لأنّه أوغل في الإلهاء من الشّراء ، لأنّ الرّبح في البيعة الرّابحة متيقّن ، وفي الشّراء مظنون . ( 3 : 146 )
نحوه الشّربينيّ . ( 2 : 635 ) ، وشبّر ( 4 : 321 ) .
أبو السّعود :
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ
صفة ل ( رجال ) ، مؤكّدة لما أفاده التّنكير من الفخامة ، مفيدة لكمال تبتّلهم إلى اللّه تعالى واستغراقهم ، فيما حكى عنهم من التّسبيح من غير صارف يلويهم ، ولا عاطف يثنيهم ، كائنا ما كان .
وتخصيص التّجارة بالذّكر ، لكونها أقوى الصّوارف عندهم وأشهرها ، أي لا يشغلهم نوع من أنواع التّجارة .
( 4 : 465 )
نحوه البروسويّ . ( 6 : 159 )
الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود ، إلى أن قال : ]
وجوّز أن يراد بالتّجارة : المعاوضة الرّابحة ، وبالبيع :
المعاوضة مطلقا ، فيكون ذكره بعدها من باب التّعميم بعد التّخصيص للمبالغة ، ونقل عن الواقديّ : أنّ المراد بالتّجارة هو الشّراء ، لأنّه أصلها ومبدؤها ، فلا تخصيص ولا تعميم . وقيل : المراد بالتّجارة الجلب ، لأنّه الغالب فيها ، فهو لازم لها عادة ، ومنه يقال : تجر في كذا ، أي جلبه ، ويؤيّد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال في هؤلاء الموصوفين بما ذكر : هم الّذين يضربون في الأرض ، يبتغون من فضل اللّه تعالى .
وأخرج الدّيلميّ ، وغيره عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعا نحوه . وفي ذلك أيضا ما يقتضي أنّهم كانوا تجّارا ، وهو الّذي يدلّ عليه ظاهر الآية ، لأنّه لا يقال : لا تلهيه التّجارة إلّا إذا كان تاجرا ، وروي ذلك عن ابن عبّاس .
أخرج الطّبرانيّ ، وابن مردويه عنه أنّه قال : أما واللّه لقد كانوا تجّارا ، فلم تكن تجارتهم ولا بيعهم يلهيهم عن ذكر اللّه تعالى ، وبه قال الضّحّاك .
وقيل : إنّهم لم يكونوا تجّارا ، والنّفي راجع للقيد والمقيّد ، كما في قوله :
* على لا حب لا يهتدى بمناره *