الاستثناء أنّ ليس وعدا وخلا ، لا يقعن هاهنا .
ومثل الرّفع قول اللّه عزّ وجلّ : ( الّا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وبعضهم ينصب ، على وجه النّصب في لا يكون ، والرّفع أكثر . ( 2 : 349 )
ابن قتيبة : مثل المضاربة ، والمقارضة في التّجارة ، فيأكل بعضكم مال بعض ، عن تراض . ( 125 )
الطّبريّ : [ حكى القرائتين : قراءة الرّفع عن أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة ، وقراءة النّصب عن عامّة قرّاء الكوفة ، ثمّ قال : ]
وكلتا القراءتين عندنا صواب ، جائز القراءة بهما ، لاستفاضتهما في قراءة الأمصار ، مع تقارب معانيها . غير أنّ الأمر وإن كان كذلك ، فإنّ قراءة ذلك بالنّصب أعجب إليّ من قراءته بالرّفع ، لقوّة النّصب من وجهين :
أحدهما : أنّ في ( تكون ) ذكرا من الأموال ، والآخر : أنّه لو لم يجعل فيها ذكرا منها ، ثمّ أفردت بالتّجارة وهي نكرة ، كان فصيحا في كلام العرب النّصب ؛ إذ كانت مبنيّة على اسم وخبر ، فإذا لم يظهر معها إلّا نكرة واحدة ، نصبوا ورفعوا . [ ثمّ استشهد بشعر ]
ففي هذه الآية إبانة من اللّه تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوّفة المنكرين طلب الأقوات بالتّجارات والصّناعات ، واللّه تعالى يقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ؛
اكتسابا أحلّ ذلك لهم .
( 5 : 31 )
الزّجّاج : المعنى : إلّا أن تكون الأموال تجارة ، ومن قرأ ( الّا أن تكون تجارة ) فمعناه : إلّا تقع تجارة .
( 2 : 44 )
نحوه أبو زرعة . ( 199 )
الجصّاص : وأمّا قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
اقتضى إباحة التّجارات الواقعة عن تراض .
والتّجارة : اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح .
قال اللّه تعالى :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
فسمّى « الإيمان » تجارة على وجه المجاز ، تشبيها بالتّجارات المقصود بها الأرباح ، وقال تعالى :
يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ .
كما سمّى بذل النّفوس لجهاد أعداء اللّه تعالى « شرى » قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
التّوبة : 111 ، فسمّى بذل النّفوس شراء على وجه المجاز .
وقال اللّه تعالى :
لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
البقرة : 102 ، فسمّي ذلك بيعا وشراء على وجه المجاز ، تشبيها بعقود الأشرية والبياعات الّتي تحصل بها الأعواض .
كذلك سمّي الإيمان باللّه تعالى تجارة ، لما استحقّ به من الثّواب الجزيل والأبدال الجسيمة ، فتدخل في قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
عقود البياعات والإجارات والهبات المشروطة فيها الأعواض ، لأنّ المبتغي في جميع ذلك في عادات النّاس