ابن العربيّ : التّجارة في اللّغة : عبارة عن المعاوضة ، ومنه : الأجر الّذي يعطيه البارئ عوضا عن الأعمال الصّالحة الّتي هي بعض من فضله ، فكلّ معاوضة تجارة على أيّ وجه كان العوض ، إلّا أنّ قوله :
بِالْباطِلِ
أخرج منها كلّ عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة ، أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير ووجوه الرّبا ، حسبما تقدّم بيانه .
فإذا ثبت هذا فكلّ معاوض إنّما يطلب الرّبح ، إمّا في وصف العوض أو في قدره ، وهو أمر يقتضيه القصد من التّاجر لا لفظ التّجارة . [ إلى أن قال : ]
المسألة الرّابعة : لمّا شرط العوض في أكل المال وصارت تجارة ، خرج عنها كلّ عقد لا عوض فيه يرد على المال ، كالهبة والصّدقة ، فلا يتناوله مطلق اللّفظ .
وجازت عقود البيوعات بأدلّة أخر من القرآن والسّنّة على ما عرف ، ويأتي ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى .
المسألة الخامسة : [ بحث فيها عن الرّبح ]
المسألة السّادسة : قال عكرمة والحسن البصريّ وغيرهما : خرج عن هذه الآية التّبرّعات كلّها ، وإنّما جوّز الشّرع التّجارة ، وبقي غيرها على مقتضى النّهي حتّى نسخها قوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا . . .
النّور : 61 ، وهذا ضعيف جدّا ، فإنّ الآية لم تقتض تحريم التّبرّعات ، وإنّما اقتضت تحريم المعاوضة الفاسدة ، وقد بيّنّا ذلك في القسم الثّاني من النّاسخ والمنسوخ .
( 1 : 408 )
الفخر الرّازيّ : قوله : ( الّا ) فيه وجهان :
الأوّل : أنّه استثناء منقطع ، لأنّ التّجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل ، فكان ( الّا ) هاهنا بمعنى « بل » ، والمعنى : لكن يحلّ أكله بالتّجارة عن تراض .
الثّاني : إنّ من النّاس من قال : الاستثناء متّصل وأضمر شيئا ، فقال : التّقدير : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، وإن تراضيتم كالرّبا وغيره ، إلّا أن تكون تجارة عن تراض .
واعلم أنّه كما يحلّ المستفاد من التّجارة ، فقد يحلّ أيضا المال المستفاد من الهبة والوصيّة والإرث وأخذ الصّدقات والمهر وأروش الجنايات ، فإنّ أسباب الملك كثيرة سوى التّجارة .
فإن قلنا : إنّ الاستثناء منقطع فلا إشكال ، فإنّه تعالى ذكر هاهنا سببا واحدا من أسباب الملك ، ولم يذكر سائرها ، لا بالنّفي ولا بإثبات .
وإن قلنا : الاستثناء متّصل كان ذلك حكما بأنّ غير التّجارة لا يفيد الحلّ ، وعند هذا لا بدّ إمّا من النّسخ أو التّخصيص . ( 10 : 70 )
العكبريّ : الاستثناء منقطع ليس من جنس الأوّل .
وقيل : هو متّصل ، والتّقدير : لا تأكلوها بسبب إلّا أن تكون تجارة . وهذا ضعيف ، لأنّه قال : ( بالباطل ) ، والتّجارة ليست من جنس الباطل . وفي الكلام حذف مضاف ، أي إلّا في حال كونها تجارة ، أو في وقت كونها تجارة . [ ثمّ ذكر نحو القيسيّ ] ( 1 : 351 )
الرّازيّ : فإن قيل : كيف خصّ التّجارة بالذّكر . . . مع أنّ الهبة والصّدقة والوصيّة والضّيافة وغيرها تقتضي الحلّ أيضا كالتّجارة ؟
قلنا : إنّما خصّها بالذّكر ، لأنّ معظم تصرّف الخلق في