يكون « التّداين » اسمها ، كذلك لا يجوز أن يكون هذا في ( الحقّ ) ، فإذا لم يجز ذلك لم يخل اسم كان من أحد الشّيئين :
أحدهما : أنّ هذه الأشياء الّتي اقتصّت من الإشهاد والارتهان قد علم في فحواها التّبايع ، فأضمر التّبايع لدلالة الحال عليه ، كما أضمر لدلالة الحال فيما حكاه من قوله : إذا كان غدا فأتني .
أو يكون أضمر التّجارة ، كأنّه : إلّا أن تكون التّجارة تجارة حاضرة . [ ثمّ استشهد بشعر ]
فأمّا التّجارة ، فهي تقليب الأموال وتصريفها لطلب النّماء بذلك ، وهو اسم حدث . واشتقّ التّاجر منه ، إلّا أنّ المراد به في الآية العين ، ولا يخلو وقوع اسم الحدث - على هذا المعنى الّذي وصفناه - من أحد ثلاثة أشياء :
إمّا أن يكون المراد : إلّا أن يقع ذو تجارة ، أي متاع ذو تجارة .
والآخر : أن يراد بالتّجارة المتّجر فيه ، الّذي هو عين ، فيكون كقوله : هذا الدّرهم ضرب الأمير ، وهذا الثّوب نسج اليمن ، أي مضروبه ومنسوجه ، وكذلك
لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ
المائدة : 94 ، أي المصيد ؛ ألا ترى أنّ الأيدي والرّماح إنّما تنالان الأعيان .
والثّالث : أن يوصف بالمصدر ، فيراد به العين ، كما يقال : عدل ورضى ، يراد به عادل ومرضيّ ، وعلى هذا قالوا : عدلة ، لما جعلوه الشّيء بعينه .
وليس هذا كالوجه الّذي قبله ، لأنّ ذاك مصدر يراد به المفعول . وليس هذا مقصورا على المفعول ، فالمراد بالمصدر الّذي هو تجارة : العروض وغيرها ممّا يتقايض ، يبيّن ذلك وصفها بالحضور وبالإدارة بيننا ، وهذا من أوصاف الأعيان ، والاسم المشتقّ من هذا الحدث يجري مجرى الصّفات الغالبة ، ولذلك كسّر تكسيرها في قولهم :
تاجر وتجار ، كما قالوا : صاحب وصحاب ، وراع ورعاء .
[ ثمّ استشهد بشعر ] ( 2 : 436 )
نحوه ابن عطيّة . ( 1 : 383 )
الماورديّ : يحتمل وجهين :
أحدهما : أنّ « الحاضرة » ما تعجّل ، ولم يداخله أجل في مبيع ولا ثمن .
والثّاني : أنّها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة .
( 1 : 357 )
نحوه أبو حيّان . ( 2 : 352 )
الطّوسيّ : استثناء من جملة ما أمر اللّه بكتابته والإشهاد عليه عند التّبايع ، فاستثنى منه يدا بيد ، فإنّه لا يحتاج إلى الكتابة ولا الإشهاد عليه ، والأوّل يحتاج إليه ، على خلاف في كونه ندبا أو وجوبا ، كما ذكرناه .
( 2 : 378 )
الزّمخشريّ : فإن قلت : ما معنى
تِجارَةً حاضِرَةً
وسواء كانت المبايعة بدين أو بعين فالتّجارة حاضرة ، وما معنى إدارتها بينهم ؟
قلت : أريد بالتّجارة : ما يتّجر فيه من الأبدال .
ومعنى إدارتها بينهم : تعاطيهم إيّاها يدا بيد . والمعنى : إلّا أن تتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد ، فلا بأس أن « 1 » لا تكتبوه ، لأنّه لا يتوهّم فيه ما يتوهّم في التّداين .
وقرئ ( تجارة حاضرة ) بالرّفع على « كان » التّامّة ،
هامش
( 1 ) في الأصل أن تكتبوه ، وهو سهو .