الفرق بينهما ، لاحظ « ك س ب » .
والمناسب في معاني باب « الافتعال » في « اتّبع » معنيان : المطاوعة ، مثل : جمعته فاجتمع ، والمبالغة ، مثل :
كسب واكتسب ، أي بالغ في الكسب . والمطاوعة حسن في ما كان هناك أمر أو طلب أو هوى أو شهوة تستدعي التّابع فينفعل بها فيطاوعها . وهذا هو اللّائق بمثل : « اتّبع الهدى » و « اتّبع الهوى » ؛ حيث إنّ الهدى ممّا يتطلّبه العقل والرّحمان ، والهوى ممّا تتطلّبه النّفس والشّيطان ، وهذا المعنى هو الغالب في مواطن الأمر والنّهي ، والتّرغيب والتّرهيب .
وفي بعض الآيات ملامح من المبالغة ، مثل :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
آل عمران : 7 ، أي لهم اهتمام بالغ باتّباع ما تشابه من القرآن ، والإعراض عن المحكمات . ونحو :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا
البقرة : 170 ، أي نبالغ في اتّباع طريقة الآباء تعصّبا ، ومثلها كثير . ويبدو أنّ المبالغة فيها نشأت من مناسبة الحكم والموضوع ومن سياق الكلام ، لا من لفظ « اتّبع » .
وفي خلال الآيات ما جاء « اتّبع » بمعنى القفو بدون اللّحوق ، مثل :
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
الكهف : 66 ، أي ألازمك وأقفو أثرك ، فلاحظ . ونحن نفضّل القول : إنّ « اتّبع » جاء في الآيات بمعنى واحد وهو المطاوعة ، وأنّ غيرها من المعاني كاللّحوق والمبالغة - لو وجد - فهو مفهوم من سياق الكلام ، لا من صيغة « اتّبع » .
ثالثا : الفرق بين الاتّباع والطّاعة : هو أنّ الطّاعة موقوفة على الأمر والنّهي ، وليس كذلك الاتّباع ؛ إذ يأتي كثيرا في غير مورد سبق الأمر والنّهي ، كما سترى في الجدول الآتي . وهناك آيات جاء الاتّباع فيها مقابل العصيان ، مثل :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
إبراهيم : 36 ، ومثل :
وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
هود : 59 . وقد أتت الطّاعة عطفا على الاتّباع :
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
طه : 90 . وقد جاء الاتّباع مقابل الكراهة :
اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ
محمّد : 28 .
ومن خلالها تستشفّ العلاقة بين الاتّباع وبين الطّاعة والعصيان والكراهة ونحوها ، كالانقياد والامتثال ، فهما تابعان للأمر والنّهي كالطّاعة تماما ، بخلاف الاتّباع .
رابعا : جاء في النّصوص ذيل :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . . .
التّوبة : 100 ، بحث طويل حول « التّابعين » من هم ؟ فخصّهم بعض بمن أدرك صحابيّا وأخذ عنه . وهذا هو الباعث عند علماء الحديث بإرداف « التّابعين » للصّحابة ، فشاع بينهم التّعبير بالصّحابة والتّابعين ، فقسّموا « التّابعين » إلى الصّغار والكبار ، كما فعلوا ذلك في الصّحابة .
وعمّمهم الآخرون إلى كلّ من لحق بالصّحابة واتّبعهم إلى يوم القيامة ، وهذا هو الظّاهر من سياق الآية . وممّا ذكر لهم من الأجر
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ . . .
التّوبة : 100 ، فإنّها لا تختصّ بهؤلاء