الّذين أدركوا الصّحابة ، بل عمّمها القرآن إلى المؤمنين مرّات وكرّات . وقد دلّت الآية على أمور :
الأوّل : أنّ السّابقين من المهاجرين والأنصار كانت طريقتهم حسنة مرضيّة ، فرضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، حتّى استحقّوا أن يتّبعهم الآخرون ، فتكون سيرتهم عبرة ونموذجا ومثالا لمن بعدهم ، وفيهم أسوة للمؤمنين جميعا . ويؤيّده
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ
الجمعة : 3 ، و
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
الحشر : 10 ، وفيهما تصريح بعدم إدراك التّابعين للسّابقين من المهاجرين والأنصار ، إلّا أنّهم لحقوا بهم واعترفوا بسبقهم بالإيمان .
أمّا قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
الأنفال : 75 ، فصريح فيمن آمن بعدهم وهاجر وجاهد معهم ، فليس أولئك تابعين لهم فحسب ، بل يعدّون منهم .
الثّاني : أنّ هذه الآية خصّت هذه الفضيلة بالسّابقين من المهاجرين والأنصار ، وعمّت آيات أخرى جميع المهاجرين والأنصار ، مثل :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
الأنفال : 74 ، لاحظ « ن ص ر » و « س ب ق » و « ه ج ر » و « ج ه د » .
ومثلها آية التّوبة : 20
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ،
وقد نزلت أخيرا بعد غزوة تبوك ، ووصفوا ب ( الفائزون ) ، والأولى نزلت قديما بعد غزوة بدر ، وقد وصفوا ب ( المؤمنون حقّا ) ، كما وصفوا في آية الحجرات الآتية ب ( الصّادقون ) ، واشترط فيها جميعا الهجرة والجهاد في سبيل اللّه ، وذكر في الأولى
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
دون الثّانية .
الثّالث : أنّ أمثال هذه الفضائل لا تشمل كلّ من أسلم وصحب النّبيّ حتّى يقال إطلاقا : الصّحابة عدول ، كيف وقد ثبت في جماعة منهم ما يرفضه . وقد تلا هذه الآية بالذّات قوله :
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ . . .
واشتبكت آيات المهاجرين والأنصار مع آيات المنافقين - ميزا بين الفريقين وأنّ أحدهما لا يختلط بالآخر - في المدنيّات ، ولا سيّما في التّوبة ، والمائدة ، وهما من أخريات السّور نزولا ؛ حيث توحي إلينا أنّ الإسلام كلّما توسّع ، وزاد عدد المسلمين ، وقرب انقطاع الوحي ، ودنا أفول شمس النّبوّة ، زاد النّفاق بين العرب والمسلمين . فلا عبرة بمجرّد الصّحبة إلّا بمن ثبت إيمانه حقّا ، وليسوا هم كلّ من رأى النّبيّ وصحبه .
كيف وقد نطق الكتاب بالفرق بين من أسلم لسانا ، وبين من آمن قلبا ؛ حيث قال :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
الحجرات : 14 ، 15 ، لاحظ تفصيل هذا البحث في « ه ج ر » و « ج ه د » و « ن ص ر » .
ه - يغلب على الصّيغ الثّلاث : تبع ، وأتبع ، والتّبع مجيئها في سياق التّرغيب أو التّرهيب وما يناسبهما ، فهي