إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغرّه من الأفعال ، لكن لا باعتبار النّفي والإثبات معا في خصوصيّة ، فإنّ ذلك غير ممكن قطعا ، بل باعتبار النّفي فيما يتضمّنه من مطلق الفعل ، والإثبات فيما يقارنه من المعنى المخصوص .
فإنّ كلّ فعل من الأفعال الخاصّة ك ( نصر ) مثلا ينحلّ عند التّحقيق إلى معنى مطلق ، هو مدلول لفظ الفعل ، وإلى معنى خاصّ يقوم به ، فإنّ معناه فعل النّصر ، يرشدك إلى ذلك قولهم : فلان يعطي ويمنع ، يفعل الإعطاء والمنع ، فمورد القصر في الحقيقة ما يتعلّق بالفعل بتوجيه النّفي إلى الأصل والإثبات إلى القيد . كأنّه قيل :
ما أفعل إلّا اتّباع ما يوحى إليّ ، من غير أن يكون لي مدخل مّا في الوحي أو في الموحى ، بطريق الاستدعاء ، أو بوجه آخر من الوجوه أصلا . ( 2 : 386 )
الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود وأضاف : ]
ولا يخفى أنّ هذا أبلغ من أنّي نبيّ أو رسول ، ولذا عدل إليه . ( 7 : 156 )
الطّباطبائيّ : قوله تعالى :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
بيان لما يدّعيه حقيقة بعد ردّ ما اتّهموه به من الدّعوى ، من جهة دعواه الرّسالة من اللّه إليهم ، أي ليس معنى قولي :
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
الأعراف : 158 ، أنّ عندي خزائن اللّه ولا أنّي أعلم الغيب ولا أنّي ملك بل إنّ اللّه يوحي إليّ بما يوحي .
ولم يثبته في صورة الدّعوى بل قال : ( ان اتّبع ) إلخ ، ليدلّ على كونه مأمورا بتبليغ ما يوحى إليه ، ليس له إلّا اتّباع ذلك ، فكأنّه لمّا قال : لا أقول لكم كذا ولا كذا ولا كذا ، قيل له : فإذا كان كذلك وكنت بشرا مثلنا وعاجزا كأحدنا لم تكن لك مزيّة علينا ، فماذا تريد منّا ؟
فقال :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
أن أبشّركم وأنذركم فأدعوكم إلى دين التّوحيد .
والدّليل على هذا المعنى قوله بعد ذلك :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ
فإنّ مدلوله بحسب ما يعطيه السّياق : أنّي وإن ساويتكم في البشريّة والعجز لكن ذلك لا يمنعني عن دعوتكم إلى اتّباعي ، فإنّ ربّي جعلني على بصيرة بما أوحى إليّ دونكم ، فأنا وأنتم كالبصير والأعمى ولا يستويان في الحكم وإن كانا متساويين في الإنسانيّة . فإنّ التّفكّر في أمرهما يهدي الإنسان إلى القضاء ، بأنّ البصير يجب أن يتّبعه الأعمى ، والعالم يجب أن يتّبعه الجاهل . ( 7 : 97 )
محمّد حسين فضل اللّه :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
وهكذا أراده أن يقف بينهم عبدا خاشعا بين يديه ، لا يملك أيّة مقوّمات ذاتيّة كبيرة ، أو أيّة قدرات شخصيّة مطلقة ، رسولا أمينا على الدّور الّذي أوكله اللّه إليه ، فهو ينتظر أمر اللّه ووحيه في كلّ صغيرة أو كبيرة ليتّبعه ويبلّغه للنّاس ، وربّما كان الحديث عن الاتّباع موحيا بالصّفة المطيعة المتواضعة الّتي تجسّدها شخصيّته ، ليكون في ذلك بعض الإيحاء لهم بالطّاعة للّه والاستغراق في دور العبد المطيع الّذي يتمثّل حركة العبد - النّبيّ ، في شخصيّة العبد - المؤمن .
وإذا كان التّوجيه الإلهيّ يفرض على الرّسول أن يقدّم نفسه إلى النّاس بهذه الصّفة ، فقد نجد فيه الدّرس الفكريّ الّذي يريدنا أن لا نغرق أنفسنا بالأسرار العميقة الّتي يحاول البعض أن يحيط بها شخصيّة النّبيّ ، للإيحاء