المجرمين ، الّذين سألوك طرد النّفر الّذين سألوه طردهم عنه من أصحابه .
وقرأ ذلك بعض المكّيّين وبعض البصريّين ( ولتستبين ) بالتّاء ( سبيل المجرمين ) برفع « السّبيل » ؛ على أنّ القصد للسّبيل ، ولكنّه يؤنّثها ، وكأنّ معنى الكلام عندهم : وكذلك نفصّل الآيات ، وليتّضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين .
وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة ( وليستبين ) بالياء ( سبيل المجرمين ) برفع « السّبيل » ؛ على أنّ الفعل للسّبيل ولكنّهم يذكّرونه .
ومعنى هؤلاء في هذا الكلام ، ومعنى من قرأ ذلك بالتّاء - في ( ولتستبين ) ورفع « السّبيل » - واحد ، وإنّما الاختلاف بينهم في تذكير « السّبيل » وتأنيثها .
وأولى القراءتين بالصّواب عندي في « السّبيل » :
الرّفع ، لأنّ اللّه تعالى ذكره فصّل آياته في كتابه وتنزيله ، ليتبيّن الحقّ بها من الباطل جميع من خوطب بها ، لا بعض دون بعض . ومن قرأ « السّبيل » بالنّصب ، فإنّما جعل تبيين ذلك محصورا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم .
وأمّا القراءة في قوله : ( ولتستبين ) فسواء قرئت بالتّاء أو بالياء ، لأنّ من العرب من يذكّر « السّبيل » وهي تميم وأهل نجد ، ومنهم من يؤنّث « السّبيل » وهم أهل الحجاز . وهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار ، ولغتان مشهورتان من لغات العرب ، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلاف لقراءته بالأخرى ، ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى ، بعد أن يرفع « السّبيل » للعلّة الّتي ذكرنا . ( 7 : 209 )
الزّجّاج : [ أشار إلى القراءات وقال : ]
فإن قال قائل : أفلم يكن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مستبينا سبيل المجرمين ؟
فالجواب في هذا أنّ جميع ما يخاطب به المؤمنون يخاطب به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكأنّه قال : ولتستبينوا المجرمين ، أي لتزدادوا استبانة لها ، ولم يحتج أن يقول : ولتستبين سبيل المؤمنين ، مع ذكر سبيل المجرمين لأنّ سبيل المجرمين إذا استبانت فقد بانت معها سبيل المؤمنين .
وجائز أن يكون المعنى : ولتستبين سبيل المجرمين ولتستبين سبيل المؤمنين ، إلّا أنّ الذّكر والخطاب هاهنا في ذكر المجرمين فذكروا ، وترك ذكر « سبيل المؤمنين » ، لأنّ في الكلام دليلا عليها ، كما قال عزّ وجلّ :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
النّحل : 81 ، ولم يقل : تقيكم البرد ، لأنّ السّاتر يستر من الحرّ والبرد ، ولكن جرى ذكر الحرّ لأنّهم كانوا في مكانهم أكثر معاناة له من البرد .
( 2 : 254 )
نحوه أبو زرعة ( 253 ) ، وأبو حيّان ( 4 : 141 ) .
الطّوسيّ : [ ذكر القراءات وقال : ]
والنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وإن كان مستبينا لطريق المجرمين عالما به ، فيجوز أن يكون ذلك على وجه التّأكيد ، ولأنّ يستديم ذلك . [ ثمّ قال نحو ما تقدّم عن الزّجّاج وأضاف : ]
وكذلك ( سبيل المجرمين ) خصّ بالذّكر ، لأنّ الكلام في وصفهم ، وترك ذكر المؤمنين لدلالة الكلام عليه . ( 7 : 161 )
نحوه الفخر الرّازيّ ( 3 : 6 ) ، والعكبريّ ( 1 : 50 ) .
الزّمخشريّ : [ أشار إلى القراءات وقال : ]