قبل ربّه سبحانه وفي اختياره ، ويتلوه من اللّه شاهد يعضده ، ومن قبل ذلك « التّوراة » كتاب موسى بمثابة الإمام والرّحمة والمبين لعظمته ، أفمثل هذا الّذي يتمتّع بهذه الخصائص والصّفات ، يشكّ في الإيمان به ؟
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ . . .
الآية .
هذا الشخص ؛ هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله . والبيّنة ودليله : هو القرآن المجيد . والشّاهد المصدّق بنبوّته : كلّ مؤمن حقّ أمثال عليّ عليه السّلام ، ومن قبل وردت صفاته وعلائمه في التّوراة ؛ فعلى هذا ثبتت دعوته عن طرق ثلاثة حقّة واضحة :
الأوّل : القرآن الكريم الّذي هو بيّنة ، ودليل واضح في يده .
الثّاني : الكتب السّماويّة الّتي سبقت نبوّته ، وأشارت إلى صفاته بدقّة ، وأتباع هذه الكتب السّماويّة في عصر النّبيّ كانوا يعرفونه حقّا ، ولهذا السّبب كانوا ينتظرونه .
والثّالث : أتباعه وأنصاره المؤمنون المضحّون ، الّذين كانوا يبيّنون دعوته ويتحدّثون عنه ، لأنّ واحدا من علائم حقّانيّة مذهب مّا ، هو إخلاص أتباعه وتضحيتهم ودرايتهم وإيمانهم وعقلهم ؛ إذ أنّ كلّ مذهب يعرف بأتباعه وأنصاره .
ومع وجود هذه الدّلائل الحيّة ، هل يمكن أن يقاس مع غيره من المدّعين ، أم هل ينبغي التّردّد في صدق دعوته ؟ ! ( 6 : 461 )
8 -
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ . . .
هود : 28
الطّبرسيّ : واختلف في قول نوح عليه السّلام هذا ، أنّه جواب عمّاذا ؟
فقيل : إنّه جواب عن قولهم :
بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
هود : 27 ، فكأنّه قال : إن تظنّوني كاذبا ، فما تقولون لو كنت على خلافه ، وعلى حجّة من ربّي واضحة ، ألا تصدّقونني ؟
وقيل : بل هو جواب عن قولهم :
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
هود : 27 ، أي وإن كنت بشرا ، فماذا تقولون إذا أتيتكم بحجّة دالّة على صدقي ، ألا تصدّقونني ؟
وفيه بيان أنّ الرّسالة إنّما تظهر بالمعجزة ، فلا معنى لاعتبار البشريّة .
وقيل : جواب عن قولهم :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
هود : 27 ، فكأنّه قال : إنّهم اعتصموا باللّه ، وبما آتاهم من البيّنة والرّحمة ، فنالوا بذلك الرّفعة والفضل ، وأنتم قنعتم بالدّنيا الدّنيّة الفانية ، فأنتم في الحقيقة الأراذل لاهم .
وقيل : هو جواب عن قولهم :
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
هود : 27 ، فكأنّه قال : لا تتّبعوا المال والجاه .
فإنّ الواجب اتّباع الحجّة والدّلالة ، ويجوز أن يكون جوابا عن جميع ذلك . ( 3 : 155 )
ابن الجوزيّ : أي على يقين وبصيرة . ( 4 : 96 )
الطّباطبائيّ : جواب عن قولهم :
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
هود : 27 ، يريدون به أنّه ليس معه إلّا البشريّة الّتي يماثلهم فيها ويماثلونه ، فبأيّ شيء يدّعي وجوب اتّباعهم ؟ بل هو كاذب يريد بما يدّعيه من الرّسالة أن يصطادهم ، فيقتنص بذلك أموالهم ويترأّس عليهم .