الفطريّة ، والحجّة العقليّة الّتي يميّز بها الإنسان بين الحقّ والباطل ، والهدى والضّلال .
والمعنى : أفمن كان على بيّنة وبصيرة في دينه من ربّه ، فهو كقوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
الزّمر : 22 ،
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
أي ويتبع هذا النّور الفطريّ والبرهان العقليّ المراد بالبيّنة ، وأعاد الضّمير عليها مذكّرا باعتبار معناها ، ويؤيّده نور آخر غيبيّ إلهيّ منه تعالى ، يشهد بحقّيّته وصحّته ، وهو هذا القرآن ، الّذي هو مشرق النّور والهدى والبرهان . ( 12 : 50 )
الطّباطبائيّ :
عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ،
البيّنة :
صفة مشبّهة ، معناها الظّاهرة الواضحة ، غير أنّ الأمور الظّاهرة الواضحة ربّما أوضحت ما ينضمّ إليها ويتعلّق بها ، كالنّور الّذي هو بيّن ظاهر ، ويظهر به غيره ، ولذلك كثر استعمال « البيّنة » فيما يتبيّن به غيره ، كالحجّة والآية ، ويقال للشّاهد على دعوى المدّعي : بيّنة . . .
وقد سمّى اللّه تعالى الحجّة : بيّنة ، كما في قوله :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
الأنفال : 42 ، وسمّى آيته :
بيّنة ، كما في قوله :
قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً
الأعراف : 73 ، وسمّى البصيرة الخاصّة الإلهيّة الّتي أوتيها الأنبياء : بيّنة ، كما في قوله حكاية عن نوح عليه السّلام :
يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ
هود : 28 ، أو مطلق البصيرة الإلهيّة ، كما هو ظاهر قوله تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
محمّد : 14 ، وقد قال تعالى في معناه :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
الأنعام : 122 .
الظّاهر أنّ المراد بالبيّنة في المقام هو هذا المعنى الأخير العامّ ، بقرينة قوله بعد :
أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ،
وإن كان المراد به بحسب المورد هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّ الكلام مسوق ليتفرّع عليه قوله :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ
هود : 17 .
فالمراد بها البصيرة الإلهيّة الّتي أوتيها النّبيّ عليه السّلام ، لا نفس القرآن النّازل عليه ، فإنّه لا يحسن ظاهرا أن يتفرّع عليه قوله :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ،
وهو ظاهر ، ولا ينافيه كون القرآن في نفسه بيّنة من اللّه ، من جهة كونه آية منه تعالى ، كما في قوله :
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ
الأنعام : 57 ، فإنّ المقام غير المقام .
وبما مرّ يظهر أنّ قول من يقول : إنّ المراد بمن كان إلخ ، النّبيّ خاصّة إرادة استعماليّة ، ليس في محلّه ، وإنّما هو مراد بحسب انطباق المورد . وكذا قول من قال : إنّ المراد به المؤمنون من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فلا دليل على التّخصيص .
ويظهر أيضا فساد القول بأنّ المراد ب « البيّنة » هو القرآن ، وكذا القول : بأنّها حجّة العقل ، وأضيفت إلى الرّبّ تعالى ، لأنّه ينصب الأدلّة العقليّة والنّقليّة . ووجه فساده أنّه لا دليل على التّخصيص ، ولا تقاس البيّنة القائمة للنّبيّ عليه السّلام من ناحيته تعالى ، بالتّعريف الإلهيّ القائم لنا من ناحية العقول . ( 10 : 183 )
نحوه محمّد حسين فضل اللّه . ( 12 : 42 )
مكارم الشّيرازيّ : أفمن كان لديه دليل واضح من