فلمّا نزلت هذه الآية ، أخذ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام ، ثمّ دعا النّصارى إلى المباهلة ، فأحجموا عنها .
وقال بعضهم لبعض : إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارا . ( 1 : 398 )
الطّوسيّ : [ ذكر القصّة نحو الماورديّ ثمّ أضاف بعد قوله : فأحجموا عنها : ]
. . . وأقرّوا بالذّلّة والجزية .
ويقال : إنّ بعضهم قال لبعض : إن باهلتموه اضطرم الوادي نارا عليكم ، ولم يبق نصرانيّ ولا نصرانيّة إلى يوم القيامة .
وروي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال لأصحابه : مثل ذلك .
ولا خلاف بين أهل العلم أنّهم لم يجيبوا إلى المباهلة .
وقيل في معنى الابتهال قولان :
أحدهما : الالتعان ، بهله اللّه ، أي لعنه ، وعليه بهلة اللّه .
الثّاني :
( نَبْتَهِلْ )
: ندعو بهلاك الكاذب ، قال لبيد :
* نظر الدّهر إليهم فابتهل *
أي دعا عليهم بالهلاك كاللّعن ، وهو المباعدة من رحمة اللّه عقابا على معصيته . فلذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيمة أو نحو ذلك .
وقال أبو بكر الرّازيّ : الآية تدلّ على أنّ الحسن والحسين ابناه ، وأنّ ولد البنت ابن علي الحقيقة .
وقال ابن أبي علان : فيها دلالة على أنّ الحسن والحسين كانا مكلّفين في تلك الحال ، لأنّ المباهلة لا تجوز إلّا مع البالغين .
واستدلّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان أفضل الصّحابة من وجهين :
أحدهما : أنّ موضوع المباهلة ليتميّز المحقّ من المبطل ؛ وذلك لا يصحّ أن يفعل إلّا بمن هو مأمون الباطن ، مقطوعا على صحّة عقيدته ، أفضل النّاس عند اللّه .
والثاني : أنّه صلّى اللّه عليه وآله جعله مثل نفسه بقوله :
وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ
لأنّه أراد بقوله :
أَبْناءَنا
الحسن والحسين عليهما السّلام بلا خلاف ، وبقوله :
وَنِساءَنا
فاطمة عليها السّلام ، وبقوله :
وَأَنْفُسَنا
أراد به نفسه ، ونفس عليّ عليه السّلام ، لأنّه لم يحضر غيرهما بلا خلاف ، وإذا جعله مثل نفسه ، وجب ألّا يدانيه أحد في الفضل ، ولا يقاربه .
ومتى قيل لهم : إنّه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السّلام ، مع كونهما غير بالغين وغير مستحقّين للثّواب ، وإن كانا مستحقّين للثّواب لم يكونا أفضل الصّحابة .
قال لهم أصحابنا : إنّ الحسن والحسين عليهما السّلام كانا بالغين مكلّفين ، لأنّ البلوغ وكمال العقل لا يفتقر إلى شرط مخصوص ، ولذلك تكلّم عيسى عليه السّلام في المهد بما دلّ على كونه مكلّفا عاقلا ، وقد حكيت ذلك عن إمام من أئمّة المعتزلة مثل ذلك .
وقالوا أيضا - أعني أصحابنا - : إنّهما كانا أفضل الصّحابة بعد أبيهما وجدّهما ، لأنّ كثرة الثّواب ليس بموقوف على كثرة الأفعال ، فصغر سنّهما لا يمنع من أن يكون معرفتهما وطاعتهما للّه ، وإقرارهما بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقع على وجه يستحقّ به الثّواب ما يزيد على ثواب كلّ من عاصرهما ، سوى جدّهما وأبيهما . ( 2 : 484 )