وجوابه : أنّه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية :
( من الفجر ) ، لكان السّؤال لازما ؛ وذلك لأنّ الفجر إنّما يسمّى فجرا ، لأنّه ينفجر منه النّور ، وذلك إنّما يحصل في الصّبح الثّاني لا في الصّبح الأوّل ، فلمّا دلّت الآية على أنّ هذا
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
يجب أن يكون من الفجر ، علمنا أنّه ليس المراد منه الصّبح الكاذب بل الصّبح الصّادق .
فإن قيل : فكيف يشبّه الصّبح الصّادق بالخيط ، مع أنّ الصّبح الصّادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل .
جوابه : أنّ القدر من البياض الّذي يحرم هو أوّل الصّبح الصّادق ، وأوّل الصّبح الصّادق لا يكون منتشرا بل يكون صغيرا دقيقا ، بل الفرق بينه وبين الصّبح الكاذب : أنّ الصّبح الكاذب يطلع دقيقا ، والصّادق يبدو دقيقا ، ويرتفع مستطيلا ، فزال السّؤال .
فأمّا ما حكي عن عديّ ابن حاتم فبعيد ، لأنّه يبعد أن يخفى على مثله هذه الاستعارة مع قوله تعالى :
مِنَ الْفَجْرِ .
[ إلى أن قال : ]
المسألة الرّابعة : زعم الأعمش أنّه يحلّ الأكل والشّرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشّمس ، قياسا لأوّل النّهار على آخره ، فكما أنّ آخره بغروب القرص ، وجب أن يكون أوّله بطلوع القرص .
وقال : في الآية أنّ المراد ب
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
و
الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ :
النّهار واللّيل ، ووجه الشّبه ليس إلّا في البياض والسّواد . فأمّا أن يكون التّشبيه في الشّكل مرادا ، فهذا غير جائز ، لأنّ ظلمة الأفق حال طلوع الصّبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشّكل ألبتّة ، فثبت أنّ المراد ب
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
و
الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
هو النّهار واللّيل .
ثمّ لمّا بحثنا عن حقيقة اللّيل في قوله :
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
وجدناها عبارة عن زمان غيبة الشّمس ، بدليل أنّ اللّه تعالى سمّى ما بعد المغرب ليلا مع بقاء الضّوء فيه ؛ فثبت أن يكون الأمر في الطّرف الأوّل من النّهار كذلك ، فيكون قبل طلوع الشّمس ليلا ، وأن لا يوجد النّهار إلّا عند طلوع القرص ، فهذا تقرير قول الأعمش .
ومن النّاس من سلّم أنّ أوّل النّهار إنّما يكون من طلوع الصّبح ، فقاس عليه آخر النّهار ، ومنهم من قال :
لا يجوز الإفطار إلّا بعد غروب الحمرة ، ومنهم من زاد عليه وقال : بل لا يجوز الإفطار إلّا عند طلوع الكواكب ، وهذه المذاهب قد انقرضت ، والفقهاء أجمعوا على بطلانها ، فلا فائدة في استقصاء الكلام فيها .
المسألة الخامسة : قوله تعالى : ( من الفجر ) فقيل :
للتّبعيض ، لأنّ المعتبر بعض الفجر لا كلّه ، وقيل :
للتّبيين ، كأنّه قيل : الخيط الأبيض الّذي هو الفجر .
( 5 : 120 )
نحوه الشّربينيّ . ( 1 : 123 )
أبو حيّان : ظاهره أنّه الخيط المعهود ، ولذلك كان جماعة من الصّحابة إذا أرادوا الصّوم ، ربط أحدهم في رجله خيطا أبيض وخيطا أسود ، فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبيّنا له ، إلى أن نزل قوله تعالى : ( من الفجر ) ، فعلموا أنّما عنى بذلك من اللّيل والنّهار . روى ذلك سهل بن سعد في نزول هذه الآية ، وروى أنّه كان بين نزول : ( وكلوا ) الآية ، وبين نزول : ( من الفجر ) سنة