يغفل عن ذلك ، بل قال :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ
طه : 52 ، مزيدا في الحجاج بشأن الرّبّ .
5 - إنّ موسى لمّا أخبر عن عذاب الأقوام ، قال فرعون : إنّهم اليوم ليسوا إلّا أحاديث ، ولا يعلم حالهم ، فكيف يعذّبهم ؟
فأجاب موسى بأنّ حالهم معلوم للّه تعالى ، مثبت في كتاب عنده ، فيجزيهم حسب أعمالهم ، ويؤيّده ذكر « الكتاب » الّذي فيه الأعمال .
وعلى كلّ حال ، فأكثر هذه الوجوه - إن لم نقل : كلّها - لها ارتباط واتّصال بما تقدّمها من احتجاج موسى على وجود الرّبّ سبحانه .
رابعا : جاء في الآيتين ( 3 ) و ( 4 ) إصلاح بال المؤمنين مرّتين ؛ ففي الأولى قارن اللّه المؤمنين بالكافرين ، فقال في الكافرين :
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ،
وفي المؤمنين :
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ * وَأَصْلَحَ بالَهُمْ .
وفي الثّانية قال في شأن المستشهدين في سبيل اللّه :
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ،
وفي الآيتين مواضع تلفت النّظر وتثير السّؤال :
1 - جاء في الأولى إضلال أعمال الكافرين مقابل إصلاح بال المؤمنين ، فركّز في جانب الكفّار إضلال أعمالهم ، وفي جانب المؤمنين إصلاح بالهم . ويبدو أنّ المقارنة بينهما تكشف عمّا أضمر في كلّ منهما ، ففي الكفّار أضمر فساد بالهم كعلّة لضلال أعمالهم ، وفي المؤمنين أضمر صلاح أعمالهم كنتيجة لإصلاح بالهم ، أي أنّهم لمّا أصلح بالهم فسيتبعه حتما صلاح أعمالهم . والحاصل هو تتابع أعمال كلّ فريق لأحوال بالهم ، كما قال تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
الإسراء : 84 .
2 - وجاء في جانب الكفّار الّذين صدّوا عن سبيل اللّه
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ،
فنسب الصّدّ إليهم والإضلال إلى اللّه ، مجازاة لصدّهم . فليس هذا الإضلال جبرا ولا ظلما كما فهمته الأشاعرة ، فجزاء السّيّئ بالسّيّئ عدل :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
الشّورى :
40 ، وكذلك نسبة إصلاح بالهم إلى اللّه جزاء لهم ورحمة عليهم . ومثلها كلّ ما يشعر بالجبر في القرآن من آيات الهداية والضّلالة ، كقوله :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
البقرة : 26 .
3 - وكذلك إضلال أعمالهم يناسب صدّهم عن سبيل اللّه ، فإنّ السّبيل إذا صدّ عنه ضلّ السّالك فيه ، فعمله عمل ضالّ . وجاء في جانب المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات
أَصْلَحَ بالَهُمْ ،
فصلاح الأعمال ينشأ من صلاح البال ، كما كان ضلال الأعمال ناشئا من الصّدّ عن السّبيل .
4 - قدّم في ( 3 ) الكافرين على المؤمنين تقديما للإنذار على التّبشير ، كما جاء عكسه في القرآن كثيرا ، حسب مقتضى الأحوال [ لاحظ « ب ش ر » ]
5 - وصف الّذين كفروا بأنّهم
صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ،
ووصف الّذين آمنوا بأنّهم
عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ .
وهذا التّقابل نوع من المحسّنات أيضا ، فيفيد عدم اتّصاف كلّ من الفريقين بما اتّصف به الآخر . فالكفّار لم يتّصفوا بعمل الصّالحات ، ولم يؤمنوا بما نزّل على محمّد ، كما أنّ المؤمنين لم يتّصفوا بالصّدّ