واحتجّ حكماء الإسلام بهذه الآية ، على أنّه سبحانه خلق هذه الأفلاك والكواكب ، وأودع في كلّ واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتّصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكّان هذه البقعة الأرضيّة ، قالوا : لأنّها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، وذلك ردّ الآية .
قالوا : وليس لقائل أن يقول : الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصّانع المختار ، وذلك لأنّ كلّ واحد من كرات الهواء والماء يشارك الأفلاك والكواكب في هذا المعنى ، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة ، فيكون باطلا ، وهو خلاف هذا النّصّ .
وأجاب المتكلّمون عنه ، بأن قالوا : لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسبابا على مجرى العادة ، لا على سبيل الحقيقة ؟ ( 9 : 139 )
القرطبيّ : أي يقولون : ما خلقته عبثا وهزلا ، بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك ، والباطل : الزّائل الذّاهب . [ ثمّ استشهد بشعر ]
و ( باطلا ) نصب ، لأنّه نعت مصدر محذوف ، أي خلقا باطلا ، وقيل : انتصب على نزع الخافض ، أي ما خلقتها للباطل ، وقيل : على المفعول الثّاني .
( 4 : 315 )
أبو حيّان : قيل : المعنى خلقا باطلا ، أي لغير غاية ، بل خلقته وخلقت البشر لينظر فيه ، فيوحّد ويعبد . فمن فعل ذلك نعّمته ، ومن ضلّ عن ذلك عذّبته .
وقال الزّمخشريّ : المعنى ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة بل خلقته لداعي حكمة عظيمة ، وهو أن تجعلها مساكن للمكلّفين وأدلّة لهم ، على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك ، ولذلك وصل به قوله :
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
لأنّه جزاء من عصى ولم يطع ، انتهى .
وفيه إشارات المعتزلة من قوله : « بل خلقته لداعي حكمة عظيمة » وعلى هذا فيكون انتصاب ( باطلا ) على أنّه نعت لمصدر محذوف .
وقيل : انتصب باطلا على الحال من المفعول .
وقيل : انتصب على إسقاط الباء ، أي بباطل بل خلقته بقدرتك الّتي هي حقّ .
وقيل : على إسقاط اللّام وهو مفعول من أجله ، وفاعل بمعنى المصدر ، أي بطولا .
وقيل : على أنّه مفعول ثان ل ( خلق ) وهي بمعنى « جعل » الّتي تتعدّى إلى اثنين ، وهذا عكس المنقول في النّحو ، وهو أنّ « جعل » يكون بمعنى ( خلق ) فيتعدّى لواحد ، أمّا أنّ ( خلق ) يكون بمعنى « جعل » فيتعدّى لاثنين ، فلا أعلم أحدا ممّن له معرفة ذهب إلى ذلك .
والباطل : الزّائل الذّاهب ، ومنه :
* ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل *
والأحسن من أعاريبه انتصابه على الحال من ( هذا ) وهي حال من ( هذا ) وهي حال لا يستغنى عنها ، نحو قوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
الدّخان : 38 ، لا يجوز في هذه الحال أن تحذف ، لئلّا يكون المعنى على النّفي وهو لا يجوز .
ولمّا تضمّنت هذه الجملة الإقرار بأنّ هذا الخلق البديع لم يكن باطلا ، والتّنبيه على أنّ هذا كلام أولي