أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللّعب ولكن للحقّ المبين ، وهو أن خلقناها نفوسا أودعناها العقل والتّمييز ، ومنحناها التّمكين وأزحنا عللها ، ثمّ عرضناها للمنافع العظيمة بالتّكليف ، وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم . ( 3 : 372 )
نحوه أبو السّعود . ( 5 : 395 )
الفخر الرّازيّ : نظيره قوله تعالى :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
آل عمران :
191 ، وقوله تعالى :
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
الرّوم : 8 ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتجّ الجبّائيّ بهذه الآية على أنّه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمال العباد ، قال : لأنّها مشتملة على الكفر والفسق ، وكلّها أباطيل : فلمّا بيّن تعالى أنّه :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ،
دلّ هذا على أنّه تعالى لم يخلق أعمال العباد ، ومثله قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
الأحقاف : 3 .
وعند المجبّرة أنّه خلق الكافر لأجل أن يكفر ، والكفر باطل ، وقد خلق الباطل ، ثمّ أكّد تعالى ذلك بأن قال :
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي كلّ من قال بهذا القول فهو كافر ، فهذا تصريح بأنّ مذهب المجبّرة عين الكفر .
واحتجّ أصحابنا رحمهم اللّه بأنّ هذه الآية تدلّ على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد ، فقالوا : هذه الآية تدلّ على كونه تعالى خالقا لكلّ ما بين السّماوات والأرض ، وأعمال العباد حاصلة بين السّماء والأرض ، فوجب أن يكون اللّه تعالى خالقا لها .
المسألة الثّانية : هذه الآية دالّة على صحّة القول بالحشر والنّشر والقيامة ؛ وذلك لأنّه تعالى خلق الخلق في هذا العالم ، فإمّا أن يقال : إنّه خلقهم للإضرار أو للإنفاع أو لا للإنفاع ولا للإضرار .
والأوّل باطل ، لأنّ ذلك لا يليق بالرّحيم الكريم ، والثّالث أيضا باطل ، لأنّ هذه الحالة حاصلة حين كانوا معدومين ، فلم يبق إلّا أن يقال : إنّه خلقهم للإنفاع .
فنقول : وذلك الإنفاع ، إمّا أن يكون في حياة الدّنيا أو في حياة الآخرة ، والأوّل باطل لأنّ منافع الدّنيا قليلة ومضارّها كثيرة ، وتحمّل المضارّ الكثيرة للمنفعة القليلة لا يليق بالحكمة ، ولمّا بطل هذا القسم ثبت القول بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدّنيويّة ، وذلك هو القول بالحشر والنّشر والقيامة .
واعلم أنّ هذا الدّليل يمكن تقريره من وجوه كثيرة ، وقد لخّصناها في أوّل سورة يونس بالاستقصاء ، فلا سبيل إلى التّكرير ، فثبت بما ذكرنا أنّه تعالى : ما خلق السّماء والأرض وما بينهما باطلا .
وإذا لم يكن خلقهما باطلا كان القول بالحشر والنّشر لازما ، وأنّ كلّ من أنكر القول بالحشر والنّشر كان شاكّا في حكمة اللّه في خلق السّماء والأرض ، وهذا هو المراد من قوله :
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
ص : 27 .
ولمّا بيّن اللّه تعالى على سبيل الإجمال أنّ إنكار الحشر والنّشر يوجب الشّكّ في حكمة اللّه تعالى ، بيّن ذلك على سبيل التّفصيل ، فقال :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا