ثانيا : جاء المصدر بلفظ « بشرى » و « بشر » ، وفيه بحوث :
1 - قد تقدّم في الأصول اللّغويّة أنّ البشرى مصدر كالرّجعى ، بمعنى البشر ، أو اسم لما يبشّر به من خير ، وقد جاءت ( 15 ) مرّة : 5 مرّات معرّفة باللّام ( 1 - 5 ) ، و 9 مرّات نكرة ( 6 - 14 ) ، ومرّة مضافة ( 15 ) .
ويستدعي التّأمّل فيها أنّها في الجميع مصدر بمعنى البشارة والتّبشير ، وهذا المعنى كالمصرّح به في الآيات الّتي جاءت فيها ( بشرى ) معطوفة على ( هدى ) ( 6 ) و ( 10 ) و ( 11 ) و ( 12 ) ، من أجل أنّ ( هدى ) مصدر ، فكذلك ما عطف عليه .
نعم قوله :
بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ
في ( 18 ) أيضا كالصّريح في أنّ الجنّات هي المبشّر بها ، فهي اسم وليس مصدرا ، فيسوغ لنا القول بأنّ ( بشرى ) في عرف القرآن إذا جاء مضافا فهو اسم لما يبشّر به ، وإذا جاء غير مضاف فهو محتمل للأمرين ، والغالب عليه هو المصدر .
2 - أمّا وجه التّعريف في الخمس الأولى فيبدو أنّه للعهد الذّهنيّ ، ففي ( 1 ) إشارة إلى أنّ بشرى المؤمنين في الدّنيا والآخرة معهود معروف ، وهو الجنّة في الآخرة والحياة السّعيدة في الدّنيا ، وهو الفوز العظيم . وعليه لا يبعد أن تكون « البشرى » هنا اسما لما يبشّر به وليس مصدرا ، وهذا الوجه محتمل في ( 5 ) أيضا .
أمّا سائر الآيات ( 2 ) إلى ( 4 ) فكلّها ترجع إلى تبشير إبراهيم بالولد ، وكان أمرا معهودا في القرآن ، فاللّام فيها للعهد أيضا . والبشرى مصدر ، وليس اسما لما بشّر به ، لأنّ الرّسل بشّروا بإسحاق ، وجاءوا بخبره إلى إبراهيم ، كما صرّح به في الآيات ، ولم يأتوا بالولد نفسه .
3 - أمّا الفرق بين « البشرى » و « البشر » ، فالبشرى إذا جاء مصدرا فهو بمعنى التّبشير ، وقد جاء التّبشير والبشرى معا في بشارة إبراهيم وامرأته بالولد ، وقد تقدّم ، وفيها :
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ ،
إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ، *
فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ،
وجاء في نفس الآية
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى ،
فلا ريب أنّ ( البشرى ) فيها بمعنى التّبشير ، إلّا فيما فصّلنا من الآيات أنّها بمعنى ما يبشّر به .
أمّا البشر فهو مصدر من المجرّد ، يقال : بشر يبشر بشرا وبشرا وبشرا وبشارة ، أي فرح ، فالبشر : الفرح والسّرور ، وهو لازم ، وبهذا جاء في القرآن . وقد يأتي متعدّيا ، يقال : بشر فلانا ، أي فرّحه ، وهو غير التّبشير ، أي إخبار الغير بما يسرّه .
4 - والّذي يلفت النّظر أنّ ( بشرا ) جاء في ثلاث آيات بسياق واحد : إرسال الرّياح بشرا بين يدي رحمته ، ومعناها أنّها فرح وسرور للنّاس ، لا تبشير وإخبار بما يسرّهم . وعليه ف ( المبشّرات ) الّتي جاءت في آية واحدة أيضا بمعنى المفرّحات ، واللّه أعلم بسرّ كتابه .
5 - وجاء « بشرا » نكرة في تلك الآيات إشعارا بعظيم النّعمة وجزيل المنّة .
ثالثا : جاء البشير ( 4 ) مرّات ، والمبشّر مفردا وجمعا ( 10 ) مرّات ، لاحظ الآيات . والبحث هنا في الفرق بينهما ، فنقول :
إنّ البشير صفة مشبّهة تدلّ على الاستمرار والثّبوت ، وقد تأتي صيغة مبالغة ، وبهذا المعنى جاءت