صفات اللّه تعالى ، حسب ما اختاره الشّيخ محمّد عبده ، فإنّها كلّها عنده صيغ مبالغة ، أمّا المبشّر فإنّه يعني التّبشير عمليّا . وعليه فالفرق بينهما أنّ « البشير » يعني الطّبيعة المستمرّة للنّبيّ ، و « المبشّر » يعني عمليّة التّبشير له . قال الفخر الرّازيّ كما جاء في النّصوص : « النّذير :
مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي . . والبشير :
مبالغة في البشارة بالثّواب » .
فلاحظ الآيات الّتي جاءت بشأن النّبيّ ، ففي أربع منها أنّه بشير ونذير ، وفي أربع أخرى أنّه مبشّر ونذير بسياق واحد ، أي بعد قوله : ( أرسلناك ) . فاللّفظان يفيدان أنّ النّبيّ كثير التّبشير بطبيعته ، وأنّه يتصدّى له عمليّا .
هذا ما يخطر بالبال ، إلّا أنّ وحدة السّياق لعلّها تقنعنا بأنّه لا فرق بينهما ، وتؤيّده آيات الأنبياء بأنّهم ( مبشّرون ) و ( منذرون ) ، فإنّها بسياقها تعني أنّ الأنبياء شأنهم ذلك دائما وبكثرة .
وجدير بالذّكر أنّ كلّا من « المبشّرين » بشأن الأنبياء ، و « المبشّر » و « البشير » بشأن النّبيّ ، جاء أربعا أربعا ، وهذا يعني أنّ تبشير النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يعادل تبشير الأنبياء قاطبة .
رابعا : جاء التّبشير والإنذار في هذه الآيات الثّماني معا ، وكذلك في كثير من آيات التّبشير ، سوى القليل ، فلاحظ .
وهذا يعني أنّ الأنبياء يبشّرون النّاس بالخيرات ، وينذرونهم السّيّئات ولا يكتفون بأحدهما . إذن لا يكفي التّبشير بالخيرات دون الإنذار للشّرور مع شيوع السّيّئات والقبائح بين الأمم وهذا نظير آيات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، فإنّ معظمها جمع فيه الأمران .
خامسا : في معظم آيات التّبشير والإنذار جاء التّبشير مقدّما على الإنذار ، كما هو الحال في آيات « المعروف والمنكر » إلّا القليل ؛ وذلك لأنّ الأنبياء وكذلك الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر ينبغي أن يواجهوا النّاس - قبل تقطيب الوجه بالإنذار للعذاب - بطلاقة الوجه والبشارة بالخير والفلاح ، وأن يمثّلوا - أوّلا - أمام النّاس الطّريق الأمثل ، ثمّ يحوّلوهم إليه عن السّيّئات والقبائح ، ففيه مصلحة نفسيّة وعاطفيّة واجتماعيّة ، لاحظ « ع ر ف » .
سادسا : هناك آيات متعدّدة جاء فيها التّبشير والإنذار مفردا حسب مقتضى المقام ، أو جاء النّذير مقدّما على البشير ، كقوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
هود : 2
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
الأعراف : 188
ولا نعلم وجها لذلك في الأولى سوى أنّ « البشير » فيهما أنسب وأوفق للرّويّ ، فقبلها « خبير » وبعدها « كبير » فلفظ « بشير » أقرب إليهما من لفظ « نذير » . أمّا في الثّانية فلعلّ المقام اقتضى تقديم « نذير » لصعوبة موقف المخاطبين أمام النّبيّ ، أو لأنّ « بشير » أقرب من المؤمنين ، فأخّر عن « نذير » .
سابعا : قد جاء ضمن آيات « النّبيّ مبشّر ونذير » في