عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً * أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
الفرقان : 22 - 24
يلاحظ أوّلا : أنّ الوعيد بالعذاب بلفظ التّبشير أوقع في النّفوس وأبلغ في الإنذار من غيره ، ففيه وعيد وسخريّة ؛ إذ كأنّ الكفّار والمنافقين يتوقّعون الأجر الحسن على أعمالهم ، فجاءهم العذاب بدل الأجر ، وهو خلاف ما توقّعوه .
ثانيا : أنّ « العذاب » جاء نكرة في جميع الآيات ، موصوف بلفظ « أليم » ، وفيه من التّأكيد والإحكام ما لا يخفى . وأضيف إليه في آية التّوبة قوله :
فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ،
وهو تهكّم آخر ، ومثله كثير في القرآن ، لاحظ « ع ذ ب » و « ذ وق » .
ثالثا : أنّ اللّه جعل المنافقين شركاء الكفّار في التّبشير بالعذاب الأليم في ( 6 ) .
الرّياح مبشّرات وبشرا :
1 -
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الرّوم : 46
2 -
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
الأعراف : 57
3 -
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
الفرقان : 48 ، 49
4 -
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
النّمل : 63
يلاحظ أوّلا : أنّ الرّياح الّتي تعقبها الأمطار هي مبشّرات رحمة اللّه ، ورحمته هي المطر ، وليس جميع الرّياح كذلك ، ففيها ريح صرصر عاتية ، كما أنّ للرّياح فوائد أخرى ، مثل جري الفلك وتلقيح الأشجار والنّبات وغيرهما ، لاحظ « ر وح » .
ثانيا : عبّر عنها في ( 1 ) باسم الفاعل جمعا ، وفي سائر الآيات بالمصدر مفردا « بشرا » ، وهذا آكد ، مثل :
زيد عدل .
ثالثا : جاء قوله :
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
بعد ( بشرا ) دائما ، وهو تأكيد آخر وبيان أوضح ل ( بشرا ) ، وجاء مكانه قوله :
وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
بعد ( مبشّرات ) ، وشتّان ما بينهما عند من يتذوّق العربيّة .
رابعا : أنّ في الإتيان بلفظ « الرّياح » في موضع الرّحمة وبلفظ « الرّيح » في العذاب سرّا ، وهو أنّ المختصّين بالأنواء الجوّيّة يقولون : إنّ الأمطار إنّما تنبعث من الرّياح الّتي تحيط بالسّحاب ، فتجمعها وتضغط عليها حتّى ينشأ منها « المزن » فتمطر ، لاحظ كتاب « باد وباران در قرآن » للمهندس بازرگان ، وأمّا الرّيح فهي عقيم مسخّرة للدّمار والخراب ، كما صرّح به القرآن :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
الذّاريات :
41 ، وهي صرصر أيضا :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
الحاقّة : 6 .
الإبشار :