الأصول اللّغويّة
1 - في « برهان » خلاف ، أهو رباعيّ من ( ب ر ه ن ) ، أم ثلاثيّ من ( ب ر ه ) ، والنّون زائد ، وهو نون المصدر ، مثل : الرّجحان من ( ر ج ح ) ، والسّلطان من ( س ل ط ) ؟
وهذا القول هو الأرجح . أو هو نون الجمع كفعلان ؟
وليس بشيء .
2 - ومن قال بزيادة النّون ذهب إلى أنّ « برهن » مولّد وليس له أصل في اللّغة ، ويشهد له أوّلا : أنّ « أبره » بمعنى أتى بالبرهان ، وثانيا : أنّ أصله - كما سيأتي - القطع ، ومنه : البرهمة ، وهي القطعة .
3 - وهناك قول شاذّ حكاه أبو هلال ، قال : إنّه فارسيّ معرّب ، أصله « بران » . قال : ولا يعرف صحّة ذلك .
4 - والأصل فيه البياض ، يقال : بره يبره ، إذا ابيضّ ، ورجل أبره ، وامرأة برهاء ، وقوم بره . وامرأة برهرهة : شابّة بيضاء ، وتكرّر الرّاء والهاء للتّأكيد ، ومثله كثير في اللّغة . ثمّ سمّيت الحجّة برهانا ، لوضوح المعنى به ناصعا كالبياض .
وقيل : هو من : البره ، وهو القطع ، ومنه : البرهة :
القطعة من الزّمان ، وسمّيت به الحجّة ، لأنّ قطع الدّعوى بها . ويمكن إرجاع القطع إلى المعنى الأوّل ، لأنّ الشّيء إذا قطع وضح وبان .
5 - ثمّ انتقل من المصدر إلى اسم المصدر ، والبرهان - بهذا المعنى - لغة : ما وضح به الشّيء ، أمّا اصطلاحا فقد اختلف في حدّه المتكلّمون ، وفي الفرق بينه وبين الدّليل كما جاء في النّصوص ، إلّا أنّ القرآن استعمله بالمعنى اللّغويّ ، أي ما يثبت به الشّيء ويتّضح ، ولم يستعمله بالمعنى الاصطلاحيّ ، وإن يصدق عليه أحيانا .
الاستعمال القرآنيّ
جاء « البرهان » في ثماني آيات :
1 -
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
النّساء : 174
2 -
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
يوسف : 24
3 -
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ
المؤمنون : 117
4 -
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
البقرة : 111
5 -
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ
الأنبياء : 24
6 -
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
النّمل : 64
7 -
وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
القصص : 75
8 -
فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
القصص : 32
يلاحظ أوّلا : أنّ الآيتين ( 1 ) و ( 4 ) مدنيّة وسائر الآيات مكّيّة ، فغلبت عليهما الصّبغة المكّيّة تناسقا مع