نكرة ، وهو يرمز بذلك إلى تعظيمه وخطورة أمره .
ثانيا : يبدو من سياق الآيات الثّلاث أنّ البرزخ حائل لا يمكن اجتيازه ، وهو يحول بين بيئتين متباينتين تباينا فاحشا ، وهما الدّنيا والآخرة في ( 1 ) ، والبحر العذب والملح في ( 2 ) و ( 3 ) .
ثالثا : استعمل القرآن الكريم لفظ البرزخ في ( 1 ) حول الموت والحياة ، كجواب حاسم يردّ قول الكافر :
رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ،
ولا يتحقّق هذا الرّدّ إلّا بضرب سور بينه وبين ما يشتهي .
رابعا : جاء لفظ البرزخ مرّتين في الحاجز بين البحرين ، ومرّة في الحاجز بين الدّنيا والآخرة ، والأوّل محسوس ، والثّاني غير محسوس . فالمحسوس كرّر تأكيدا على إثبات غير المحسوس ، أي الّذي جعل بين البحرين حاجزا قادر على أن يجعل بين الدّنيا والآخرة حاجزا .
خامسا : قد فسّر البحران في آية ( الفرقان ) بالعذب الفرات والملح الأجاج ، لاحظ « أج ج » ، والحاجز بينهما برزخ بينهما ، أي حاجز بينهما . وهذا دليل على وجود بحرين كذلك مع حاجز بينهما ، فأين هذان البحران والحاجز ؟
وقد فسّر بعضهم الحاجز بالجزيرة الواقعة بين البحرين ، لتمنع من اختلاطهما ، وهذا المعنى كالصّريح في قوله :
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً
النّمل : 61 ، فإنّ « الحجر المحجور » في آية الفرقان هو الأرض الحائلة بينهما ؛ وعليه فالبرزخ هو الحاجز بين بحرين ليس غير .
وهناك رأي اختاره الطّبريّ ، وهو أنّ المراد بالحاجز : الماء المختلط بين العذب والفرات ، يجري بين البحرين ليحجزهما ، مستدلّا بصدر الآية
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ،
فالمرج هو الخلط ؛ وعليه فالمراد بالحاجز :
الماء دون الأرض ، وفيه معنى المنع والمزج معا . فالبرزخ بين البحرين هو الماء المختلط منهما ، يمنع اختلاطهما لجريانه بشدّة بينهما .
وهذا ما نشاهده في الأنهار الكبار الّتي تصبّ في البحار ؛ حيث تحتفظ بعذوبتها خلال مسافة طويلة لشدّة جريانها ، ثمّ يختلط ماؤها بماء البحر المالح تدريجيّا حتّى يذوب فيه ، ولكنّه ماء عذب بين ملحين ، وليس بين بحر عذب وبحر ملح ؛ وعليه فلا شاهد له فيما نعرفه من البحار والأنهار ، فالمتعيّن هو الأوّل ، وهو الأرض الحاجزة بين بحر عذب وبحر أجاج ، ولها نظائر في أرجاء المعمورة .
سادسا : لم نجد في النّصوص اللّغويّة في مفهوم « البرزخ » سوى الحاجز والمانع بين الشّيئين ، من دون إشارة إلى المختلط والممتزج منهما ، فلا ندري من أين جاء هذا المعنى ! ولا سيّما في البرزخ بين الدّنيا والآخرة ؛ حيث فسّروه ب ( العالم الثّالث ) ، وقالوا إنّه متوسّط بين الدّنيا والآخرة ، ومثال لهما ، ففيه جزء دنيويّ ، وهو الصّورة ، وجزء أخرويّ ، وهو التّجرّد من المادّة .
سابعا : قالوا : في البرزخ بعد الموت : إنّه حاجز للأموات يمنعهم من الرّجوع إلى الدّنيا كما سبق ، وهذا يناسب سياق الآيات
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ،
فإنّهم تمنّوا الرّجوع إلى الدّنيا ، فردّ اللّه عليهم