يلاحظ أوّلا : أنّ لفظ ( ببدنك ) في الآية الأولى يصلح أن يكون حالا من ( ننجّيك ) ، فمعنى الآية - كما ذهب إلى ذلك أكثر المفسّرين - اليوم يا فرعون ننجّيك ملابسا بدنك دون روحك ، لتكون عبرة للأجيال بعدك .
أمّا من فسّر « البدن » بالدّرع - كما ذهب إليه بعض المفسّرين - فلا يستقيم له هذا المعنى .
ثانيا : يرى الشّيخ الطّنطاويّ صاحب « الجواهر » أنّ التّنجية بالبدن في الآية ، هو التّحنيط الّذي كان معروفا عند قدماء المصريّين ، إذ عثر على موميا فرعون موسى المسمّى « منفطه » منذ سنين في جهات الوجه البحريّ ، في مديريّة الشّرقيّة من مصر « 1 » . ولا زال محفوظا إلى يومنا هذا في القاعة العليا من المتحف القوميّ في القاهرة ، ولمّا مررت عليه هناك تلا الدّليل هذه الآية المباركة
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ،
ولا شكّ أنّه إخبار غيبيّ عن المستقبل .
وقيل : إنّ فرعون موسى هو « سيتي » الثّاني ابن « منفطه » وقد عثر على جثّته منذ سنين أيضا بطيبة « 2 » .
ثالثا : عدّ اللّه تعالى ( البدن ) في الآية الثّانية من شعائره ، وبذا ساواها بالصّفا والمروة ، لقوله :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
البقرة : 158 ، فناحر البدن كالسّاعي بين الصّفا والمروة ، وكلاهما ذو تقوى ، قال تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
الحجّ : 32 .
رابعا : لمّا أتى القرآن على ذكر الشّعائر لم يتعرّض لمردودها على الإنسان ، إلّا عند ذكر البدن والأنعام ، وبيّن ذلك بلفظ ( لكم فيها ) أو ( لهم فيها ) ، ثمّ أردفهما بلفظ ( منافع ) أو ( دفء ) أو ( خير ) ، كما في هذه الآية .
وهذا يدلّ على منافع الأنعام وخيرها دنيا وآخرة ، وانحصار أثر سائر الشّعائر في الآخرة فقط .
هامش
( 1 ) الجواهر ( 6 : 83 ) .
( 2 ) دائرة معارف القرن العشرين ( 9 : 30 ) .