بالجدال فغلّبه اللّه ولقّنه بالمبكت ، وفزعوا إلى القوّة والجبروت فنصره وقوّاه نجيّا من العراق إلى الشّام .
( 2 : 578 )
الطّبرسيّ : معناه فلمّا جمعوا الحطب وألقوه في النّار قلنا للنّار ذلك ، وهذا مثل ، فإنّ النّار جماد لا يصحّ خطابه . والمراد : إنّا جعلنا النّار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذاها شيء ، كما قال سبحانه وتعالى :
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
البقرة : 65 ، والمعنى أنّه صيّرهم كذلك لا أنّه خاطبهم وأمرهم بذلك .
وقيل : يجوز أن يتكلّم اللّه سبحانه بذلك ، ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفا لهم . وذكر في كون النّار بردا على إبراهيم وجوه :
[ الأوّل والثّاني تقدّم عن الطّوسيّ ]
وثالثها : أنّ الإحراق إنّما يحصل بالاعتمادات الّتي في النّار صعدا ، فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات .
وعلى الجملة فقد علمنا أنّ اللّه سبحانه منع النّار من إحراقه ، وهو أعلم بتفاصيله . ( 4 : 54 )
الفخر الرّازيّ : فيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو مسلم الأصفهانيّ في تفسير قوله تعالى :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً
المعنى أنّه سبحانه جعل النّار بردا وسلاما ، لا أنّ هناك كلاما ، كقوله :
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يس : 82 ، أي يكونه .
وقد احتجّ عليه بأنّ النّار جماد فلا يجوز خطابه ، والأكثرون على أنّه وجد ذلك القول ، ثمّ هؤلاء لهم قولان :
أحدهما : وهو قول السّدّيّ : أنّ القائل هو جبرئيل عليه السّلام .
والثّاني : وهو قول الأكثرين : أنّ القائل هو اللّه تعالى ، وهذا هو الأليق الأقرب بالظّاهر ، وقوله : النّار جماد ، فلا يكون في خطابها فائدة ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة .
المسألة الثّانية : اختلفوا في أنّ النّار كيف بردت على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنّ اللّه تعالى أزال عنها ما فيها من الحرّ والإحراق ، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق ، واللّه على كلّ شيء قدير .
وثانيها : أنّ اللّه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفيّة مانعة من وصول أذى النّار إليه ، كما يفعل بخزنة جهنّم في الآخرة ، وكما أنّه ركّب بنية النّعامة بحيث لا يضرّها ابتلاع الحديدة المحماة ، وبدن السّمندل بحيث لا يضرّه المكث في النّار .
وثالثها : أنّه سبحانه خلق بينه وبين النّار حائلا يمنع من وصول أثر النّار إليه ، قال المحقّقون : والأوّل أولى ، لأنّ ظاهر قوله :
يا نارُ كُونِي بَرْداً
أنّ نفس النّار صارت باردة حتّى سلم إبراهيم من تأثيرها ، لا أنّ النّار بقيت كما كانت .
فإن قيل : النّار جسم موصوف بالحرارة واللّطافة ، فإذا كانت الحرارة جزء من مسمّى النّار امتنع كون النّار باردة ، فإذا وجب أن يقال : المراد من النّار الجسم الّذي هو أحد أجزاء مسمّى النّار ؛ وذلك مجاز ، فلم كان مجازكم أولى من المجازين الآخرين ؟