قلنا : المجاز الّذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد ، وفي المجازين اللّذين ذكرتموهما لا يبقى ذلك ، فكان مجازنا أولى .
أمّا قوله تعالى :
كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
فالمعنى أنّ البرد إذا أفرط أهلك كالحرّ بل لا بدّ من الاعتدال ، ثمّ في حصول الاعتدال ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه يقدّر اللّه تعالى بردها بالمقدار الّذي لا يؤثّر .
وثانيها : أنّ بعض النّار صار بردا وبقي بعضها على حرارته ، فتعادل الحرّ والبرد .
وثالثها : أنّه تعالى جعل في جسمه مزيد حرّ فسلم من ذلك البرد ، بل قد انتفع به والتذّ . ( 22 : 188 )
القرطبيّ : قال بعض العلماء : جعل اللّه فيها بردا يرفع حرّها ، وحرّا يرفع بردها ، فصارت سلاما عليه .
( 11 : 304 )
أبو حيّان : [ بعد نقل أقوال مختلفة في كيفيّة كون إبراهيم في النّار ومدّته قال : ]
قد أكثر النّاس في حكاية ما جرى لإبراهيم ، والّذي صحّ هو ما ذكره تعالى من أنّه ألقي في النّار ، فجعلها اللّه عليه بردا وسلاما ، وخرج منها سالما ، فكانت أعظم آية . ( 6 : 328 )
نحوه الآلوسيّ . ( 17 : 68 )
البروسويّ : البرد : خلاف الحرّ ، والسّلام : التّعرّي من الآفات ، أي كوني ذات برد من حرّك ، وسلامة من بردك ، فزال ما فيها من الحرارة والإحراق وبقي ما فيها من الإضاءة والإشراق ، واختاره المحقّقون لدلالة الظّاهر عليه .
وهذا كما ترى من أبدع المعجزات ، فإنّ انقلاب النّار هواء طيّبا وإن لم يكن بدعا من قدرة اللّه ، لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة ممّا يخرق العادات .
وقيل : كانت النّار بحالها إلّا أنّه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفيّة مانعة من وصول أذى النّار إليه ، كخزنة جهنّم في الآخرة ، وكما أنّه ركّب بنية النّعامة بحيث لا يضرّها ابتلاع الحديدة المحماة ، وبدن السّمندل بحيث لا يضرّه المكث في النّار ، كما يشعر به ظاهر قوله : ( على إبراهيم ) .
قيل : فبردت نار الدّنيا يومئذ ولم ينتفع بها أحد من أهلها ، ولو لم يقل :
عَلى إِبْراهِيمَ
لبقيت ذات برد أبدا على كافّة الخلق بل على جميع الأنبياء ، ولو لم يقل :
( سلاما ) بعد قوله : ( بردا ) لمات إبراهيم من بردها . [ إلى أن قال : ]
قيل : لمّا ألقي في النّار ، كان فيها أربعين يوما أو خمسين ، وقال : ما كنت أطيب عيشا زمانا من الأيّام الّتي كنت فيها في النّار .
فإن قلت : هل وجد القول من اللّه تعالى ؛ حيث قال :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
أو هو تمثيل ؟
قلت : جعل اللّه النّار باردة من غير أن يكون هناك قول وخطاب ، لقوله تعالى :
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يس : 82 .
وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك القول قد وجد ، والقائل هو اللّه أو جبريل قال بأوامر اللّه .
قال ابن عطاء : سلام إبراهيم من النّار بسلامة صدره