الزّمخشريّ : نفي لصفتي الظّلّ عنه ، يريد أنّه ظلّ ولكن لا كسائر الظّلال ، سمّاه ظلّا ثمّ نفى عنه برد الظّلّ وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحرّ ، وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظّلّ من الاسترواح إليه .
والمعنى أنّه ظلّ حارّ ضارّ إلّا أنّ للنّفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات ، وفيه تهكّم بأصحاب المشأمة ، وأنّهم لا يستأهلون الظّلّ البارد الكريم الّذي هو لأضدادهم في الجنّة .
وقرئ ( لا بارد ولا كريم ) بالرّفع ، أي لا هو كذلك .
( 4 : 55 )
نحوه النّسفيّ . ( 4 : 217 )
الفخر الرّازيّ : قال الزّمخشريّ : كرم الظّلّ : نفعه الملهوف ، ودفعه أذى الحرّ عنه ، ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد ، والأقرب أن يقال : فائدة الظّلّ أمران :
أحدهما : دفع الحرّ .
والآخر : كون الإنسان فيه مكرما ، وذلك لأنّ الإنسان في البرد يقصد عين الشّمس ليتدفّأ بحرّها إذا كان قليل الثّياب ، فإذا كان من المكرمين يكون أبدا في مكان يدفع الحرّ والبرد عن نفسه في الظّلّ ، أمّا الحرّ فظاهر .
وأمّا البرد فيدفعه بإدفاء الموضع بإيقاد ما يدفئه ، فيكون الظّلّ في الحرّ مطلوبا للبرد ، فيطلب كونه باردا ، وفي البرد يطلب لكونه ذاكرامة ، لا لبرد يكون في الظّلّ ، فقال : ( لا بارد ) يطلب لبرده ، ولا ذي كرامة قد أعدّ للجلوس فيه .
وذلك لأنّ المواضع الّتي يقع عليها ظلّ - كالمواضع الّتي تحت أشجار وأمام الجدار - يتّخذ منها مقاعد ، فتصير تلك المقاعد محفوظة عن القاذورات ، وباقي المواضع تصير مزابل ، ثمّ إذا وقعت الشّمس في بعض الأوقات عليها تطلب لنظافتها ، وكونها معدّة للجلوس ، فتكون مطلوبة في مثل هذا الوقت ، لأجل كرامتها لا لبردها ، فقوله تعالى :
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
يحتمل هذا .
ويحتمل أن يقال : إنّ الظّلّ يطلب لأمر يرجع إلى الحسّ ، أو يرجع إلى العقل ، فالّذي يرجع إلى الحسّ هو برده ، والّذي يرجع إلى العقل أن يكون الرّجوع إليه كرامة ، وهذا لا برد له ولا كرامة فيه ، وهذا هو المراد بما نقله الواحديّ عن الفرّاء : أنّ العرب تتبع كلّ منفيّ بكريم إذا كان المنفيّ أكرم ، فيقال : هذه الدّار ليست بواسعة ولا كريمة .
والتّحقيق فيه ما ذكرنا أنّ وصف الكمال ، إمّا حسّيّ ، وإمّا عقليّ ، والحسّيّ يصرّح بلفظه ، وأمّا العقليّ فلخفائه عن الحسّ يشار إليه بلفظ جامع ، لأنّ الكرامة عند العرب من أشهر أوصاف المدح ، ونفيهما نفي وصف الكمال العقليّ ، فيصير قوله تعالى :
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
معناه لا مدح فيه أصلا لا حسّا ولا عقلا . ( 29 : 169 )
القرطبيّ : بل حارّ لأنّه من دخان شفير جهنّم .
( 17 : 213 )
أبو حيّان : [ قال نحو الزّمخشريّ إلّا أنّه أضاف : ]
وقد يجوز أن يكون
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
صفة ل ( يحموم ) ويلزم منه أن يكون « الظّلّ » موصوفا بذلك .
وقرأ الجمهور
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
بجرّهما ، وابن أبي