الثّاني : أنّها لمّا قالت :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
قالت : وما أبرّئ نفسي عن الخيانة مطلقا ، فإنّي قد خنته حين قد أحلت الذّنب عليه ، وقلت :
ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ
يوسف : 25 ، وأودعته السّجن ، كأنّها أرادت الاعتذار ممّا كان .
فإن قيل : جعل هذا الكلام كلاما ليوسف أولى أم جعله كلاما للمرأة ؟
قلنا : جعله كلاما ليوسف مشكل ، لأنّ قوله :
قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
يوسف :
51 ، كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره ، فالقول بأنّ بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلّل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد .
وأيضا جعله كلاما للمرأة مشكل أيضا ، لأنّ قوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
كلام لا يحسن صدوره إلّا ممّن احترز عن المعاصي ، ثمّ يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النّفس ، وذلك لا يليق بالمرأة الّتي استفرغت جهدها في المعصية .
( 18 : 156 )
القرطبيّ : قوله تعالى :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
قيل :
هو من قول المرأة . وقال القشيريّ : فالظّاهر أنّ قوله :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ
وقوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
من قول يوسف .
قلت : إذا احتمل أن يكون من قول المرأة ، فالقول به أولى ، حتّى نبرّئ يوسف من حلّ الإزار والسّراويل .
وإذا قدّرناه من قول يوسف ، فيكون ممّا خطر بقلبه ، على ما قدّمناه من القول المختار في قوله :
وَهَمَّ بِها .
قال أبو بكر الأنباريّ : من النّاس من يقول :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
إلى قوله :
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
يوسف : 51 ، 53 ، من كلام امرأة العزيز ، لأنّه متّصل بقولها :
أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
يوسف : 51 ، وهذا مذهب الّذين ينفون الهمّ عن يوسف عليه السّلام .
فمن بنى على قولهم قال : من قوله :
قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ
إلى قوله :
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
يوسف : 52 ، 53 ، كلام متّصل بعضه ببعض ، ولا يكون فيه وقف تامّ على حقيقة . ولسنا نختار هذا القول ، ولا نذهب إليه .
[ وبعد نقل قول الحسن قال : ]
وقيل : هو من قول العزيز ، أي وما أبرّئ نفسي من سوء الظّنّ بيوسف . ( 9 : 209 )
البيضاويّ : أي لا أنزّهها ، تنبيها على أنّه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله ، بل إظهار ما أنعم اللّه عليه من العصمة والتّوفيق . ( 1 : 499 )
أبو حيّان : الظّاهر أنّ هذا من كلام امرأة العزيز ، وهو داخل تحت قوله : ( قالت ) . والمعنى ذلك الإقرار والاعتراف بالحقّ ليعلم يوسف أنّي لم أخنه في غيبته والذّبّ عنه ، وأرميه بذنب هو منه بريء . ثمّ اعتذرت عمّا وقعت فيه ممّا يقع فيه البشر من الشّهوات ، بقولها :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
والنّفوس مائلة إلى الشّهوات أمّارة بالسّوء .
ومن ذهب إلى أنّ قوله :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ
إلى آخره من كلام يوسف ، يحتاج إلى تكلّف ربط بينه وبين