يُسْجَنَ
يوسف : 25 ، وأودعته السّجن : تريد الاعتذار ممّا كان منها ، إنّ كلّ نفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّي .
فإن قلت : كيف صحّ أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك ؟
قلت : كفى بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلامه ، ونحوه قوله :
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
الأعراف : 109 ،
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ
الشّعراء : 35 ، وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم .
وعن ابن جريج : هذا من تقديم القرآن وتأخيره ، ذهب إلى أنّ
ذلِكَ لِيَعْلَمَ
يوسف : 52 ، متّصل بقوله :
فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
يوسف :
50 .
ولقد لفّقت المبطلة روايات مصنوعة ، فزعموا أنّ يوسف حين قال :
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
يوسف : 52 ، قال له جبرئيل : ولا حين هممت بها ، وقالت له امرأة العزيز : ولا حين حللت تكّة سراويلك يا يوسف ؟ وذلك لتهالكهم على بهت اللّه ورسله . ( 2 : 327 ، 328 )
الطّبرسيّ : هذا من كلام يوسف عند أكثر المفسّرين . ( 3 : 241 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها ، لأنّا إن قلنا : إنّ قوله :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
يوسف : 52 ، كلام يوسف ، كان هذا أيضا من كلام يوسف ، وإن قلنا : إنّ ذلك من تمام كلام المرأة ، كان هذا أيضا كذلك ، ونحن نفسّر هذه الآية على كلا التّقديرين .
أمّا إذا قلنا : إنّ هذا كلام يوسف عليه السّلام ، فالحشويّة تمسّكوا به ، وقالوا : إنّه عليه السّلام لمّا قال :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ،
قال جبرئيل عليه السّلام : ولا حين هممت بفكّ سراويلك ، فعند ذلك قال يوسف :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
أي بالزّنى .
واعلم أنّ هذا الكلام ضعيف ، فإنّا بيّنّا أنّ الآية المتقدّمة برهان قاطع على براءته عن الذّنب .
بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية ؟ فنقول : فيه وجهان :
الوجه الأوّل : أنّه عليه السّلام لمّا قال :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
كان ذلك جاريا مجرى مدح النّفس وتزكيتها ، وقال تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
النّجم :
32 ، فاستدرك ذلك على نفسه بقوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
والمعنى وما أزكّي نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء ، ميّالة إلى القبائح ، راغبة في المعصية .
والوجه الثّاني في الجواب : أنّ الآية لا تدلّ ألبتّة على شيء ممّا ذكروه ، وذلك لأنّ يوسف عليه السّلام لمّا قال :
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
بيّن أنّ ترك الخيانة ما كان لعدم الرّغبة ولعدم ميل النّفس والطّبيعة ، لأنّ النّفس أمّارة بالسّوء ، والطّبيعة توّاقة إلى اللّذّات ، فبيّن بهذا الكلام أنّ التّرك ما كان لعدم الرّغبة ، بل لقيام الخوف من اللّه تعالى .
أمّا إذا قلنا : إنّ هذا الكلام من بقيّة كلام المرأة ، ففيه وجهان :
الأوّل : وما أبرّئ نفسي عن مراودته ، ومقصودها تصديق يوسف عليه السّلام ، في قوله :
هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي .