الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
بينهما ، تنبيها على أنّ هذا المعنى هو عين ذلك المعنى .
الوجه الخامس : ما نقل عن عليّ عليه السّلام . [ وقد تقدّم في قولي الزّمخشريّ وابن عطيّة ]
الوجه السّادس : قال أصحابنا : لعلّ اللّه تعالى لمّا علم من بعض النّاس أنّهم يتنازعون في كون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
من القرآن ، أمر بأن لا تكتب هاهنا ، تنبيها على كونها آية من أوّل كلّ سورة ، وأنّها لمّا لم تكن آية من هذه السّورة لا جرم لم تكتب ، وذلك يدلّ أنّها لمّا كتبت في أوّل سائر السّور ، وجب كونه آية من كلّ سورة .
فإن قالوا : ما السّبب في أنّ نسب « البراءة » إلى اللّه ورسوله ، ونسب « المعاهدة » إلى المشركين ؟
قلنا : قد أذن اللّه في معاهدة المشركين ، فاتّفق المسلمون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعاهدهم ، ثمّ إنّ المشركين نقضوا العهد ، فأوجب اللّه النّبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما يحذّرهم من ذلك ، وقيل : اعلموا أنّ اللّه ورسوله قد برئا ممّا عاهدتم من المشركين .
( 15 : 215 - 217 )
القرطبيّ : ( براءة ) تقول : برئت من الشّيء أبرأ براءة فأنا منه بريء ، إذا أزلته عن نفسك ، وقطعت سبب ما بينك وبينه . و ( براءة ) رفع على خبر ابتداء مضمر ، تقديره : هذه براءة . ويصحّ أن ترفع بالابتداء ، والخبر في قوله : ( إلى الّذين ) . وجاز الابتداء بالنّكرة ، لأنّها موصوفة ، فتعرّفت تعريفا مّا ، وجاز الإخبار عنها .
وقرأ عيسى بن عمر ( براءة ) بالنّصب ، على تقدير :
التزموا براءة ، ففيها معنى الإغراء . وهي مصدر على « فعالة » كالشّناءة والدّناءة . ( 8 : 63 )
الآلوسيّ : عن قتادة وغيره : أنّها مع الأنفال سورة واحدة ، ولهذا لم تكتب بينهما « البسملة » ، وقيل في وجه عدم كتابتها : إنّ الصّحابة رضي اللّه تعالى عنهم اختلفوا في كونها سورة أو بعض سورة ، ففصلوا بينها وبين الأنفال رعاية لمن يقول : هما سورتان ، ولم يكتبوا « البسملة » رعاية لمن يقول : هما سورة واحدة .
والحقّ أنّهما سورتان إلّا أنّهم لم يكتبوا « البسملة » بينهما ، لما رواه أبو الشّيخ وابن مردويه ، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما ، عن عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه : من أنّ البسملة أمان ، وبراءة نزلت بالسّيف . ومثله عن محمّد بن الحنفيّة وسفيان بن عيينة ، ومرجع ذلك إلى أنّها لم تنزل في هذه السّورة كأخواتها لما ذكر ، ويؤيّد القول بالاستقلال تسميتها بما مرّ .
واختار الشّيخ الأكبر قدّس سرّه في « فتوحاته » :
أنّهما سورة واحدة ، وأنّ التّرك لذلك . قال في الباب الحادي والثّلثمائة بعد كلام :
وأمّا سورة التّوبة فاختلف النّاس فيها ، هل هي سورة مستقلّة كسائر السّور ؟ أو هل هي وسورة الأنفال سورة واحدة ؟ فإنّه لا يعرف كمال السّورة إلّا بالفصل بالبسملة ، ولم تجئ هنا ، فدلّ على أنّها من سورة الأنفال ، وهو الأوجه . وإن كان لتركها وجه ، وهو عدم المناسبة بين الرّحمة والتّبرّي ، ولكن ماله تلك القوّة ، بل هو وجه ضعيف .
وسبب ضعفه أنّه في الاسم « اللّه » من البسملة